الجمعة - 29 شعبان 1438 هـ , 26 مايو 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. مقالات
  3. النسوية الإسلامية والمساواة

النسوية الإسلامية والمساواة

كاتبة وباحثة لبنانية - ريتا فرج
ريتا-فرج-
نشر في: الأربعاء 01 مارس 2017 | 10:03 ص
921 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

تطورت حركة التأويل النسوي لموقع المرأة في الإسلام في العقود الأخيرة تطورًا ملحوظًا؛ مما أكسبها حضورًا لافتًا على مستوى الوعي والمناهج والاتجاهات والانتماءات الأكاديمية. أصدرت النسويات في العالمين العربي والإسلامي أدبيات جادة في الحقول المعنية بـــــ«الإسلام والمرأة» و«الإسلام والجندر» و«النساء والمعرفة الدينية»، وبخاصة في مضمار ما يمكن أن نطلق عليه «فقه تحرير القرآن من الموروث الأبوي». وقد اضطلعت «النسوية الإسلامية» شرقًا وغربًا بأدوار بارزة، واختلفت مقارباتها للنصوص الدينية التأسيسية، مع التركيز الشديد على نقد القراءة الفقهية التقليدية الإسلامية للقضايا المتعلقة بالنساء، بحثًا عن المساواة الجندرية في القرآن ومناقشة الفقهيات البطريركية.

الوعي النسوي وإرهاصات النسوية الإسلامية

ظهرت «النسوية الإسلامية» أوائل التسعينيات من القرن العشرين المنصرم في إفريقيا الجنوبية، كواحدة من الرافعات الفلسفية والسياسية لحركة «الإسلام التقدمي» العاملة ضد نظام الفصل العنصري. وفي العالم الإسلامي برزت في بداية التسعينيات أيضًا، في تركيا، مع كتاب نوليفير غول «الحداثة الممنوعة» (1991م) حيث التقطت مقولات نسوية وسط الإسلاميات التركيات. ثم في إيران، عام 1992م مع مجلة «زنان» التي عبرت عن خيبة النسويات الإيرانيات من الثورة الإسلامية الإيرانية ( البزري، دلال، «النسوية الإسلامية أو الجهاد النوعي»، صحيفة الحياة، 22 يناير (كانون الثاني) 2007م، العدد: (15998).

إن تطور الوعي النسوي العربي المرتبط بحقوق النساء في الدين والمجتمع والثقافة ليس حديث النشأة، إذ وُجدت إرهاصاته التاريخية، لجهة حركة التفكير النسوي، مع العديد من المثقفات والكاتبات العربيات والمسلمات، منذ أواخر القرن التاسع عشر، من بينهن: عائشة تيمور (1840-1902م)، وزينب فواز (1845-1914م)، وملك حفني ناصف (1886-1918م)، وعائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) (1913-1998م)، وهدى شعراوي (1879-1947م)، ونظيرة زين الدين –داعية أحقية المرأة في الاجتهاد الديني- (1908-1976م) التي تعد أول امرأة عربية، تقدم أطروحة في نقد القراءة الفقهية للقرآن ضمن كتابها الشهير «السفور والحجاب»، خصوصًا أن النساء العربيات قبلها ركزن في خطابهن وكتاباتهن على قضايا تعليم المرأة ووعيها لذاتها وحقوقها السياسية، وذلك عبر السيَر الذاتية أو المقالات أو الأعمال الأدبية.

تلحظ أستاذة الأدب الإنجليزي المقارن في جامعة القاهرة أميمة أبو بكر «أن السعي إلى التمكين في الحقوق على خلفية ثقافية إسلامية عامة، كان من البديهيات [بدءًا من أواخر القرن التاسع عشر] وإن غاب عن ذلك السعي، التنظير المباشر والمناهج التحليلية المتعمقة للمصادر الرئيسة والمسميات من أجل طرح رؤية تجديدية شاملة حول قضايا المرأة في منظومة الفكر والعلوم الدينية». وتشير أبو بكر إلى أن مفهوم النسوية من منظور إسلامي تطورت فكرته «في العشرين عامًا الأخيرة في العالم الإسلامي من خلال تطبيق الوعي النسوي لفهم معضلة التفاوت بين رسالة الإسلام التوحيدية، وترجمة قيم تلك الرسالة السامية إلى عدالة وتكافؤ الفرص، وشراكة على أرض الواقع بين الجنسين، وإلى الأخذ في الاعتبار الكرامة الإنسانية المتساوية للمسلمين والمسلمات، ثم الاتجاه كذلك إلى استخدام المناهج النسوية التحليلية –ليس فقط- لغربلة الكثير من فكر العلوم الإسلامية من وجهة نظر المرأة المسلمة وواقع حياتها، لكن –أيضًا- لفتح باب الاجتهاد لها، حتى يتسنى بناء معرفة إسلامية، تحيي معاني العدل والمساواة والشراكة وتؤكدها؛ معرفة بديلة عن منطق الاستبعاد والتمييز والأفضلية الذي شاب خطابات التراث وطرائق استنباط العلماء للأحكام، الذين رغم براعتهم العلمية وجهدهم في تحري الشريعة، ما كانوا إلا نتاج عصورهم، وكان من الطبيعي أن يتأثروا بثقافات هذه العصور، ومن الطبيعي –أيضًا- ألا يهتموا بتأسيس المكانة الواحدة المتساوية للرجال والنساء». (انظر: النسوية الإسلامية والمنظور الإسلامي، آفاق جديدة للمعرفة والإصلاح، مجموعة من الباحثين، تحرير أميمة أبو بكر، مؤسسة المرأة والذاكرة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013م، ص 7).

خارج النسوية الإسلامية

ثمة العديد من الأكاديميات والباحثات درسن النص الديني (القرآن والحديث والفقه) من خارج الانتساب إلى النسوية الإسلامية، وسجلن أسبقية تاريخية عليها، من بينهن –على سبيل التمثيل لا الحصر-: الكاتبة المصرية نوال السعدواي، وفاطمة المرنيسي عالِمة الاجتماع المغربية والكاتبة النسوية (1940-2015م)، ورجاء بن سلامة أستاذة التعليم العالي والمحلِّلة النفسانية التونسية، وألفة يوسف الأكاديمية التونسية المتخصصة في اللغة العربية واللسانيات. قد تكون ألفة يوسف الأشد إثارة للجدل، وبخاصة بعد إصدار كتابها ذائع الصيت «حيرة مسلمة»؛ إذ طرحت مسائل حرجة ونقدية.

الإسلام النسوي وتحدي السلفيات الغالبة

يتفاوت تصادم تأويلات النسوية الإسلامية مع الموروث الفقهي بين العالم العربي والغرب، خصوصًا إذا ما قارنّا خلاصات النسويات المسلمات الأميركيات مع نظيراتهن العربيات، اللائي أنتجن نصوصًا أقل حدة. تعدّ آمنة ودود (الأفرو-أميركية) صاحبة «القرآن والمرأة: إعادة قراءة النص القرآني من منظور نسائي» من أكثر النسويات المسلمات شهرةً، وأكثرهن جرأةً في معالجة قضايا الإسلام والجندر؛ لسببين: الاعتماد على القرآن كمصدر أول وأخير؛ والولوج إلى مرحلة ما بعد النص. وإذا أردنا الحديث عن «إسلام نسوي» أو لاهوت إسلامي/ نسوي/ حداثوي يمكن القول: إن «ودود» وزميلاتها من النسويات المسلمات الأميركيات الأشد حداثة، وهن يشتركن في ثلاث خصائص أساسية: مناهضة الخطاب الفقهي الذكوري، تأكيد أحقية المرأة المسلمة في الاجتهاد، التأسيس لإسلام نسوي يمارس الإصلاح من الداخل على قاعدة تأويل القرآن بالقرآن، مع التركيز الكثيف على مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة (انظر: فرج، ريتا، امرأة الفقهاء وامرأة الحداثة، خطاب اللامساواة في المدونة الفقهية، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 2015م).

تجاهر النسويات المسلمات الأميركيات (آمنة ودود، وليلى أحمد، وعزيزة الهبري، وأسماء برلاس) بتبنّي أكثرهنّ لمصطلح «الإسلام النسوي»، خلافًا لأغلبية المسلمات العربيات المقيمات في البلدان العربية والإسلاميّة: «إذ كثيرًا ما تجد الدارسة حرجًا في التصريح بأنّها تتبنى فكر حركة «الإسلام النسوي» دون تحفّظ أو دون حرص على تغييره، حتى يبدو أكثر ملاءمة مع البيئة الإسلاميّة؛ فالباحثة المصرية هبة رؤوف عزت تقترح استبدال «الحركة النسائية الإسلامية» بـــــــــ«النسوية الإسلامية». وتبدو ودود –داعية تحدي السلفيات الغالبة التي تحتكر تفسير النصوص- كما تلفت الأكاديمية والباحثة التونسية آمال قرامي في مقال لها تحت عنوان «الحركة النسوية الإسلامية في أميركا» أكثر النسويات اهتمامًا بقضيّة العدالة الاجتماعيّة في الإسلام، وهو أمر مفهوم بسبب السياق الاجتماعي التاريخي، الذي أُثيرت فيه قضايا السود في علاقتهم مع الثقافة المهيمنة، التي عادة ما كانت تعالج المشكلات الاجتماعية والسياسية من منظور المثقف المعبّر عن ثقافة البيض؛ لذا ألحّت على عالميّة الإسلام، وتوجّه الرسالة إلى جميع الناس. وتأتي أهمية النسويات المسلمات الأميركيات كما تشير قرامي من «تشبّعهن بالحرية الفكرية ومواكبتهن للتطوّر المعرفي في مختلف العلوم، ما شجعهن على طرق موضوعات جريئة مثل المطالبة بإلغاء عدّة المرأة المطلقة، وحق إمامة الصلاة». (انظر: قرامي، آمال: الحركة النسوية الإسلامية في أميركا، موقع الحوار المتمدن، www.alhewar.org).

النسوية الإسلامية: المقاربات والمناهج

تقترح النسوية الإسلامية ثلاث مقاربات في قراءتها النص القرآني: أولًا- استدعاء بعض آيات القرآن التي ارتبطت بتفسيرات مغلوطة، مثل تلك المتعلقة بالخلق أو أحداث الجنة وما فيها من سيادة النظرة الذكورية وعلوّها على وضع المرأة ومكانتها. ثانيًا- الاستشهاد بالآيات التي توضح بشكل لا لبس فيه المساواة بين الجنسين. ثالثًا- تفكيك الآيات التي تهتم بإبراز الاختلاف بين الرجل والمرأة على نحو يبرّر هيمنة الرجل وسيطرته (انظر: عبدالوهاب، نورهان، النسوية الإسلامية، إشكاليّات المفهوم ومتطلّبات الواقع، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، على الرابط المختصر التالي: http://cutt.us/fWVTy). تستند النسوية الإسلامية في أبحاثها إلى مناهج عدة؛ منها: فقه اللغة، والهيرمينوطيقا (علم التأويل)، والأنثروبولوجيا الدينية، وغيرها من المناهج الحديثة في تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والسياقات التاريخية، المتعلقة بالنساء.

رفعت حسن: إسلام ما بعد الأبوية

تُعد رفعت حسن -أستاذة الدراسات الدينية والعلوم الإنسانية في جامعة لويسفيل (University of Louisville) (الولايات المتحدة الأميركية)، المنضوية في اتجاه النسوية الإسلامية التأويلية كما يصنفها المفكر الأردني فهمي جدعان في كتابه «خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت»- من اللواتي اعتمدن على المنهج الهيرمينوطيقي، وتهدف من خلاله إلى محاولة تفسير القرآن من منظور اللاهوت النسوي، لاكتشاف أحكامه المتصلة بالمرأة، بغية تحرير النص من آثار الأحاديث المتناقضة مع روحية الكلية للمساواة القرآنية بين الجنسين. وتُشاطِر «حسن» قريناتها من النسويات المسلمات التأويليات، الاعتقاد المنهجي بأن العقلية البطريركية قد حكمت التقاليد الإسلامية منذ عصر مبكّر من تاريخ الإسلام إلى أيامنا هذه، وأن أصول الإسلام الماثلة في القرآن والحديث والسنة النبوية والفقه، قد وُجِّهت وفقًا لهذه العقلية؛ إذ فُهِمتْ هذه الأصول وفُسرت على أيدي الرجال المسلمين وحدهم، وأن هؤلاء الرجال قد احتكروا لأنفسهم مهمة تحديد الأحكام والأوضاع الأنطولوجية واللاهوتية والسوسيولوجية للنساء المسلمات. وتشدد «حسن» على أهمية عدّ القرآن في ضوء «المعيار الأخلاقي» أنه يلزم برفض أي استخدام للقرآن من أجل تعزيز الظلم؛ لأن إله الإسلام عادل. (انظر: جدعان، فهمي، خارج السرب). تجترح «حسن» مصطلح «إسلام ما بعد الأبوية» قاصدةً بذلك «الإسلام القرآني»، وهو إسلام يولي أهمية خاصة بتحرير البشر –النساء والرجال على حد سواء– من عبودية القيم التقليدية والسلطوية (الدينية والسياسية والاقتصادية وغيرها) والقبلية والعنصرية والتحيز الجنسي والرق، وأي قيم أخرى تمنع البشر أو تعوقهم عن تحقيق رؤية القرآن لمصير البشرية الذي نجده متمثلًا في ذلك الإعلان القياسي: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾ (سورة النجم، الآية 42) ( انظر: النسوية والدراسات الدينية، تحرير: أميمة أبو بكر، ترجمة: رندة أبو بكر، سلسلة ترجمات نسوية العدد (2)، مؤسسة المرأة والذاكرة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2012م، ص 233).

التفسيرات الأبوية والمجتمع البطريركي

ترى ليلى أحمد الباحثة المصرية في شؤون الدراسات النسائية، أن التفسيرات الأبوية للإسلام لا تعود إلى القرآن نفسه، بل إلى المجتمع البطريركي الذي فرض على الإسلام نمطًا ذكوريّا سلطويًّا جذّره النظام العباسي الذي عزز النزعة المعادية الكارهة للمرأة. تقول: «وفي إطار الإدراك وتشكيل المفهوم لموقع المرأة والجنوسة في العصر العباسي، ربما كان الفرق ذو الدلالة الذي يميّز المجتمع العباسي عن المجتمع الإسلامي الأول في الحجاز، يَمْثل في النظرة الخاصة من الرجال إلى النساء، وفي العلاقة التي تربطهم بهنّ. فبالنسبة لهؤلاء الخاصة من الرجال، فإن الأغلبية العظمى من النساء اللائي كانوا يتعاملون معهن، وعلى وجه الخصوص اللائي كان لهم بهن علاقة جنسية، كانت ملكًا لهم وكانت علاقتهم بهن علاقة السادة بالعبيد». وتعدّ «أحمد» سيطرة الإسلام على بعض المناطق المجاورة للبحر المتوسط، دفعته إلى استيعاب التراث الاجتماعي والعقدي للشعوب اليهودية والمسيحية المجاورة، وجاء المسلمون الجدد ممن تحولوا عن دياناتهم الأصلية، محمّلين بعاداتهم الاجتماعية وتراثهم الفكري. استخدمت النسويات المسلمات مصطلحات لها جذور غربية مثل: البطريركية، والمركزية الذكورية، والنظام الأبوي، واللاهوت النسوي، والجهاد من أجل الجندر، وإسلام ما بعد الأبوية…وغيرها. ألقت هذه المصطلحات بثقلها على الأدبيات النسوية العربية والإسلامية، إنتاجًا وتفسيرًا، وأغنتها بأفكار حداثوية انشغلت بالدرجة الأولى بتحرير النص المقدس من الموروث الفقهي، إيمانًا بروحية المساواة بين الجنسين التي كرسها القرآن، وهذا يدفعنا إلى القول: إننا أمام تشكل معرفي ثوري في حقل الدراسات النسوية، خصوصًا في مضمار الإسلام والجندر، على مختلف اتجاهاته ومدارسه وتأويلاته سواء اتفقت أم تباينت خلاصاته.

حملت النسويات على مختلف انتماءاتهن الفكرية والمنهجية همًّا معرفيًّا غايته تقديم قراءة مغايرة للتفسيرات الفقهية التقليدية. وبصرف النظر عن الرؤية السلبية التي تواجه بها النسويات المنشغلات في حقل المعرفة الدينية من جانب «حراس العقائد والحدود»، من المهم الاستماع إلى أصواتهن ومتابعة إنتاجهن، بغية النقاش، وتوسيع الدائرة الفكرية التي تسمح بفهم أفضل لموقع النساء في الإسلام.

أضف تعليقاً