الإثنين - 2 ربيع الأول 1439 هـ , 20 نوفمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. كتب
  3. التمثل الثقافي.. وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة

التمثل الثقافي.. وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة

محمود قرني - كاتب مصري
نشر في: الأربعاء 01 مارس 2017 | 08:03 ص
1000 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

تعرض النقد، تحت وطأة الرغبة في العلمية والمعملية وتعزيز فكرة التخصص تحت أسر المدارس الشكلانية، إلى درجات مروعة من الاستغلاق والتعسف. وأظن أن كتاب «التمثل الثقافي» للناقد والأكاديمي الدكتور سامي سليمان أستاذ النقد الحديث بجامعة القاهرة، يفتح كوة هائلة في هذا الجدار، رغم أنه يعد واحدًا ممن عملوا بوعي على استخدام كثير من تقنيات النقد الشكلاني، وهي مرونة جديرة بالتأمل. كتاب «التمثل الثقافي وتلقي الأنواع الأدبية الحديثة» حسب عنوانه الفرعي يتناول تجربة النقد العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد صدر قبل أشهر قليلة عن مكتبة الآداب بالقاهرة.

الإحيائيون الذين تناول الكتابُ مجهوداتهم الفذة لم يكونوا وحدهم من يصارع تراثًا تليدًا حاولوا الفكاك من أسره ونجحوا في ذلك، وبات بين أيدينا اليوم ثمرات ناضجة لجهودهم بينها كل الأشكال الإبداعية الوافدة على الثقافة القومية؛ مثل: الرواية، والمسرحية، والمقالة، والقصة، وفنون النثر عامة. أيضًا سامي سليمان هنا يصارع أمواجًا عاتية من التقاليد الجامعية البالية ومن درجات من الاستنامة إلى أشكال نقدية مستقرة سيكون العمل على مغايرتها عملًا صعبًا ويحتاج إلى جسارة من نوع خاص. فأدوات التطوير التي ساعدت الإحيائيين الأوائل كما يشير المؤلف، سواء كانت المطبعة أو الصحافة أو المؤسسات التعليمية والاجتماعية، تبدو الآن وهي تلعب أحطّ الأدوار ضد كل جادّ وكل جديد.

يرى الدكتور سليمان أن أطروحة الدكتور عبدالله الغذامي في عام 2000م حول النقد الثقافي كانت بداية حقيقية لانطلاق ما يسميه دراسات النسق الثقافي أو الأنساق الثقافية في الممارسة الأدبية بحيث أصبحت الممارسة النقدية تسعى إلى قراءة النص عبر بعديها الجمالي والثقافي. والحقيقة أن التأصيل العميق لهذا النسق يتعزز اليوم بشكل علمي شديد الدقة والتماسك في كتاب التمثل الثقافي، وظني أن أطروحة الدكتور الغذامي، بطبيعة الحال، متأثرة أشد التأثر بالمصطلح الغربي. فمصطلح الدراسات الثقافية صعد إلى السطح منذ سبعينيات القرن الماضي على ما يشير «آرثر إيزابرغر» وتحديدًا في مركز الدراسات الثقافية في جامعة برمنغهام. وقد تبدت قدرة الدراسات الثقافية المرنة والمتجددة عبر قدرتها على إعادة قراءة كثير من النظريات الاجتماعية والنقدية وإعادة توظيفها أيضًا؛ مثل: الماركسية والبنيوية والحركات الاجتماعية على نحو عام.

التمثل-الثقافيهنا يقدم الدكتور سامي سليمان إجابته المدعومة بالفحص العلمي عن سؤال مركزي هو: كيف يمكن للغة الجمالية أن تجعل من النصوص الأدبية خطابًا ثقافيًّا متميزًا في ذاته ومتميزًا في علاقته بالثقافات الأخرى، وعبر هذا المفهوم تناول المؤلف العديد من الخطابات الثقافية التي يمكن أن تكون نتاجًا لإعادة النظر في مفردات مؤثرة؛ مثل: الثقافة الشعبية وخطابات الحياة اليومية والخطابات السائدة في وسائل الإعلام، وأظن أن النماذج التطبيقية التي قدمها المؤلف لا تقتصر قراءتها هنا على الرؤية النظرية وهي كثيرة ومتاحة بل على الجانب التطبيقي، وأظن أن إشاراته وتحليله الضافي لأسباب انتشار طبعات مختصرة ومحققة من ألف ليلة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يبدو إعادة اعتبار للقيمتين الأخلاقية والثقافية للثقافة الشعبية.  توقف الدكتور سامي سليمان أمام مشروع الإحيائيين وعدّ حركة الإحياء ظاهرة مصرية شامية بامتياز، وعبر تحليل دقيق وضع الصراع الاجتماعي والسياسي في اعتباره، حيث يرى أن حركة الإحياء استندت إلى مقترحين أساسيين: أولهما الإحياء، وثانيهما التمدن. ولأن النقد الثقافي ممارسة وليس فرعًا من فروع نظريات المعرفة فقد عاد الدكتور سامي إلى تقديم قراءة جديدة في نظرية التلقي لا سيما لدى «هانز روبرت ياوس» و«فولفانغ إيزر» من واقع أن تلقي الأنواع الحديثة عمومًا في الثقافة العربية اعتمد على نظرية التلقي في جذرها الغربي وليس على ما ذهبت إليه القراءات البلاغية في النقد العربي القديم والوسيط. وهنا تجدر الإشارة إلى المحاولات المستمرة لسليمان لخلق معادلات مصطلحية ومفاهيمية لتعزيز النسق الثقافي الذي يخدم الثقافة القومية؛ ما يعزز بدوره فكرة التمثل الثقافي في الوجود، والقبول لدى القطاعات الواسعة من القراء الضمنيين الذين يستهدفهم.

في هذا السياق حرص ناقدنا على تقديم قراءة مقارنة ضافية حول فكرتي التمثل والتلاؤم عند جان بياجيه، ثم قدم قراءة لتفرقة بياجيه بين التمثل الثقافي والمعرفة من ناحية أن المعرفة ذات طبيعة تطورية وتاريخية، غير أنه يشير إلى أن بياجيه كان يقدم عبر تلك الدراسات المهمة رؤية لسيكولوجية الأطفال بينما حديثه يواجه أعمالًا إبداعية ناضجة لكتاب تجاوزوا الرشد.

كذلك يتوقف ناقدنا أمام آليات انتقال النظريات بين الثقافات موضحًا معضلات ذلك الانتقال وصعوباته، وأولها حاجة الثقافة الناقلة لما تنقل، وإدراك الجماعة الناقلة لأهمية ما تنقل وضرورته، وفي فصول لاحقة كشف أيضًا عن أشكال المقاومة التي تبديها الثقافة القومية في تكويناتها المحافظة ضد كل الأشكال الطليعية ذات النزعة التجديدية. ولأن المؤلف يقف باعتبار كبير أمام الثقافة القومية فقد توقف أمام ما قاله إدوارد سعيد حول نسبية النظريات المنقولة سواء في سياقات تولدها ونشأتها في الثقافة المصدرة أو الثقافة المستقبلة لا سيما إذا كانت تلك النظريات تنتقل إلى سياقات ثقافية ذات طابع شمولي. لكن سليمان لا يترك إدوارد سعيد قبل أن يبدي ملاحظة دقيقة حول قراءته لتلك الفكرة حيث إنه عندما حلل نظرية التشيؤ لدى جورج لوكاتش إنما فعل ذلك ضمن سياق ثقافي واحد وأيضًا مع مفكرين ضمن اتجاه فكري واحد هو الماركسية.

يرصد المؤلف أيضًا كيف تولدت الحاجة لدى المستعمرات القديمة في الشرق العربي للتجدد والأخذ عن الآخر، وباتت الأنواع الأدبية الحديثة تصارع السياقات البلاغية القديمة؛ كالخطابة والمقامة، وكذلك الشعر الغنائي الذي يمثل أعلى تعبيرات الرسوخ والقوة في الثقافة العربية، غير أن المؤلف يؤكد أن رعيل الإحيائيين التجديدين كانوا الأكثر إدراكًا لحتمية فكرة التمثل الثقافي، وكان ثمة ضرورة لنقل الأنواع الأدبية الجديدة كموضوعات لهذا التمثل، وهنا يقدم المؤلف تعريفًا دقيقًا لما يعنيه بفكرة التمثل الثقافي بوصفها «المسالك الذهنية التي يتخذها أو يعتمد عليها أبناء ثقافة ما في سعيهم للاستفادة من نتاج ثقافي قدمته حضارة أخرى» وهو في النهاية، كما يشير ما يُخضِع المفاهيم القارة في الثقافة القومية لعدد من التحولات بتعظيم مفاهيم جديدة وإقصاء مفاهيم أخرى وهو ما حدث بالفعل.

وكما يشير ناقدنا ويشير كتابه تستمد فكرة التمثل الثقافي أطرها العامة من الدراسات الثقافية التي تتخذ من البحث عن الأدوار الاجتماعية والسياسية منطلقًا عامًّا لها من منطلق أن علم الاجتماع والتاريخ والدراسات الأدبية تقدم مناهج ملائمة لفهم الثقافة، وقد منح هذا التعدد الفرصة للنقد كي يتناول موضوعات وقضايا كانت مستبعدة من الدراسات التقليدية، ولا ينسى المؤلف هنا أن يشير إلى أن إحدى مشكلات تلك الدراسة هو قلق المصطلح النقدي وتغاير مواقف بعض النقاد إزاء المفاهيم والقضايا التي كانت موضع اهتمامهم.

يثير المؤلف الدكتور سامي سليمان عددًا من الإشكاليات حول العقبات الثقافية التي قابلت جهد الإحيائيين واضطرارهم إلى الاتكاء على الموروث الشعري والنقدي العربيين كطريق إلى تحقيق جوهر الإحياء في سعي صادق ودؤوب للارتقاء بالتقاليد الجمالية والثقافية لنماذج قديمة، ويقدم لنا نموذجين على ذلك التحول عبر تجربتي أحمد فارس الشدياق وأحمد شوقي، ويتوقف أمام مقدمة ديوان الشدياق، وكيف أعلى من قيمة الإقبال على الأشكال الإبداعية المستحدثة لا سيما النثر، وكذلك ما فعل شوقي في نثره وكتاباته حول الانحياز لفكرة السرد حتى لو كانت داخل القالب الغنائي مثلما فعل مع قراءته لرائية أبي فراس «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر». لقد تحول الشاعر، كما يقول سليمان، من كونه منتجًا لبلاغة قديمة ليتشكل وعي جديد لنموذج الشاعر الكاتب، ولم أفهم هنا لماذا وصف سليمان تجربة تحديث الكتابة لدى شوقي بأنها لم تؤت ثمارها، رغم أنه في الحقيقة قدم منجزًا إحيائيًّا نادرًا وفذًّا في الشعر وتحديدًا في الشعر الغنائي.

لكن المؤلف في النهاية يؤكد أن «الشدياق» و«شوقي» عززا فكرة الحاجة إلى تعديل مفهوم الفصاحة الموروث من التراث البلاغي، وهو الأمر الذي عزز عدة قيم توقف عندها المؤلف، من بينها أن الإحيائيين استطاعوا وضع الكتابة كمفهوم قبل الخطابة والشعر حيث وضعهما النقد المحافظ في المقدمة، وكذلك تعظيم قيمة الثقافة التدوينية على الثقافة الشفهية.

اترك تعليقاً