الخميس - 4 ذو القعدة 1438 هـ , 27 يوليو 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. دراسات
  3. شعرية التأمل الوجودي في «خرز الوقت» لعلي الدميني

شعرية التأمل الوجودي في «خرز الوقت» لعلي الدميني

رضا عطية - ناقد مصري
نشر في: الأربعاء 01 مارس 2017 | 08:03 ص
614 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

يأتي ديوان «خرز الوقت» أحدث دواوين الشاعر السعودي علي الدميني، ليستأنف خطابًا جماليًّا لدى شاعر يبدو الشعر عنده سؤالًا وجوديًّا، تطرحه القصيدة من خلال مسعى الذات إلى تقديم رؤية للعالم، عبر فاعلية التأمل الوجودي الذي تمارسه القصيدة في معاينتها العالم الذي يبدو موضع تساؤل دائم كموضوع للذات التي تتدبر دائمًا أحوال هذا العالم وتحولاته. تبرز في الخطاب الشعري لعلي الدميني الذات التي يبدو صوتها واضحًا وجليًّا في تعبيرها عن وحدتها، وإعلانها عن عزلتها الوجودية الغالبة في تفاقُم اغتراباتها، لتمسي الذات نفسها موضوعًا لتأملها؛ فالأنا – لدى علي الدميني – تُحَدِّق في مراياها باستمرار بحثًا عن ذاتها، في ضياع سائد يُفاقِم قلقها الوجودي.

ماهية الوقت

من عنوان الديوان «خرز الوقت» تتبدى لنا رهافة الذات، وحساسية وعيها في تعاطي الوقت بإدراك تكويناته التمفصلية، وبنيته الوحدوية؛ لأنّ الوقت هو التمظهُر الدقيق والتجزئي للزمن، وهو ما يُبرِز أرق الوعي الشقي للذات بالزمن، فتقول الذات الشاعرة في قصيدة «خرز الوقت»:

خرز-الوقتللوقت رائحةُ القطار

ورعشة المرآة لامرأةٍ تزيّن صدرها بسحابةٍ عطشى،

وأغصانٍ من الولعِ المعذَّب بالغناءِ،

وللثواني

مثلُ رائحةِ الطفولة في الحقائب،

رنّة الأجراس في عنق الحصانِ،

وصوتُ وثبتهِ الأخيرة.

تعمل الذات على صناعة تَمثُّلات للوقت تُحيله من معطى مجرد إلى صور مادية، وتجسيدات ملموسة تكون بمثابة تجليات له على مرايا الوعي، كرائحة القطار بما يحمله القطار كعلامة دالة على الرحيل في المكان والزمان، وهو كرعشة المرآة بما تحمله المرآة من دلالة معاينة الذات لأناها، وقد يكون لقرينها في الآن، ثم يبدو الوقت كأغصان الولع المعذَّب بالغناء، وهو ما يعكس تَبطُّن الصورة بمشاعر الذات التي تصبغ الأشياء بها. وفيما يتبدى من الصياغة التصويرية لعلي الدميني تشجُّر الصورة؛ إذ يورق المشبَّه فروعًا للمُشبَّه به، كذلك أحيانًا ما تقوم الصياغة الفنية بعملية قلب على عكس البنية التركيبية التقليدية للتصوير وذلك بتقديم المشبَّه به كما في (للثواني) على المشبَّه (رائحةِ الطفولة في الحقائب، رنّة الأجراس في عنق الحصانِ) وفي هذه الحالة يُمكن أن يتبادل المشبَّه والمشبَّه به أدوارهما، وهو ما يخلق مراوحة تصويرية، ويجعل للصورة إيقاعًا دافقًا.

وفي تَمثُّل الذات الشاعرة للوقت لدى الدميني يبدو أنّ ثمة وشيجةً ما بينه والأحزان، كأنّ تفكُّر الذات في الوقت هو ما يؤجج شجون الذات ويبعث أحزانها:

الوقت نافذة على الأحزان

ثوبٌ من رماد العمر،

وجهٌ من أساور عزفِ شاعرة على ماء الكلامِ،

ورقصةُ التانغو،

وعودةُ بعض جُنْد الحربِ في التابوتِ،

كان الوقت مبتسمًا لأسرى في معارك لم يخوضوها،

ومنتشيًا بصوت القائد الحربيِّ في جيش تخلّى عن بنادقهِ،

وأنتَ تُطلّ مكسورًا على الشُّبّاكِ،

تقرأ عن جنون الطير في ملهاة «سيرفانتس»

علي الدميني

علي الدميني

ما الذي يجعل الوقت نافذة على الأحزان؟ هل هو شعور الذات بالفقد وتبدد العمر كالرماد؟ وما علاقة هذا الإحساس بالحزن المتفاقِم بعزف شاعرة على ماء الكلام؟ وكأنّ شعور الذات بالحزن وتبدد العمر بأثر عزف شاعرة. فيما هو بادٍ أنّ الذات تتمثل الوقت إيقاعًا متنوعًا في عديد من الحركات والصور كعزف الشاعرة على ماء الكلام، ورقصة التانغو، وعودة بعض جند الحرب في التابوت، إيقاعات متفاوتة بين النشوة والحزن، وإن كان الحزن هو الغالب، حتى ما قد تبدى من نشوة فهي نشوة زائفة لقائد حربي في جيش تخلى عن بنادقه. إحساسٌ عارم بالفقد، وشعورٌ طاغٍ بالهزيمة يساكن الذات إزاء الوقت.

وكما يبدو من استعمال الصوت الشعري لضمير المخاطب أنّ الذات في تحديقها في مرايا الوقت، إنّما هي في حالة انشطار تعاين من خلاله الذاتُ ظلَّها أو قرينَها الشبحي الذي يطل مكسورًا من الشباك. وكما هو بادٍ فإنّ مفردات كالنافذة والشباك تتردد بشكل لافت في تَمثُّل الذات للوقت، على رغم أنّها علامات مكانية بالأساس. وهو ما يعني ليس تمكينًا للزمن؛ أي جعل الزمن ذا أبعاد وعينات مكانية فحسب، إنّما يعكس كذلك إحساسًا ما لدى الذات بحاجة إلى الانفتاح على الخارج، غير أنّ هذا الخارج الذي تتوق الذات لمعاينته لا تجني منه غير الأحزان والانكسار. ولكأنّ الذات تتلبسها روحٌ «دون كيشوتية» في مواجهة رياح أقدارها العاتية ومصيرها غير الموات.

وفي وعي الذات بالوقت، يتبدى أنّ الليل هو الغالب والأكثر هيمنة على مشاهد العالَم، فيقول علي الدميني:

تحت شمسٍ ترتِّبُ أغصانها للمنامْ

يقفُ الليلُ مشتملًا بعباءتهِ، قربَ وقتي

ويكسِرُ بين يديهِ مجازَ اللغاتْ.

أمدُّ يديَّ إلى ظلّهِ

فيبارحني

ناشرًا ريشَهُ في أقاصي الجهاتْ

بلا راية للوداعِ

ولا وردةٍ للعتاب الأخيرْ!

يتجلى ميل الذات الشاعرة للنهار والشمس في استعارتها المجازية للشمس بأنها «ترتب أغصانها» لتمسي كشجرة في استعذاب الذات للشمس، في حين يبدو الليل هو المرابض قربَ وقت الذات، ما يكشف عن ذاتية ونفسانية هذا الوقت الذي تعيشه الذات وتعاينه، وهو ما يبرز في فعل هذا الوقت الليلي بكسر مجازات اللغات في إشارة لسطوته، كما يتبدى عدم سيطرة الذات على ذلك الوقت الليلي على رغم كونه نفسيًّا حتى إنّه يبدو منتشرًا ومهيمنًا في أقاصي الجهات، وكأنّ إحساس الذات بالليل يفيض منسكبًا على الوجود متسيدًا فضاءاته.

مراوحات المكان

البادي على الذات التي ترمق العالم بعيني التأمل ونظرات الاندهاش في شعر علي الدميني، هو توترها وقلقها بالمكان، والبادي على أمكنة علي الدميني أنّها مشحونة بوجع الذكرى ورائحة الفقد، وهو ما يجعل الذات غير مستقرة بالمكان الذي تعاين فيه الفقد والغياب، وتحسّ في ثناياه بالوحدة، فيقول الدميني:

خارجَ البيتِ، يفتحُ أغنيةً

لتلالٍ من الوجدِ تطرق باب المدينةِ،

عارية كاللغات

وحارقة كرحيق المدام.

(…)

داخل البيت، يطفئُ أغنيةً نائمةْ

عن نديمٍ توارى كطير بعيدٍ

ويرقد منزويًا

في السرير الذي يشبهُ المقبرةْ!

يتأسس الخطاب الشعري المتمركز حول (البيت) كبؤرة مركزية للمكان، كما أنّه قد يكون استعارة عن الذات نفسها، والـ(أغنية) كبؤرة مركزية أخرى لفعل الذات في الوجود، على مصفوفة من المتقابلات: الخارج/ الداخل، يفتح/ يُطفئ، ما يُغذِّي التوتر الدرامي للقصيدة النابضة بإيقاع نفسي مضطرب للذات، وسواء في الخارج أو الداخل، فلا ينال الذات إلا الوجد والفقد، بتواري النديم والرقاد والانزواء فيما يشبه الموات الذي تحسُّه الذات في الأشياء وموضوعات عالمها. ونلحظ أن مفردة الغناء ترد بشكل مستمر في خطاب الدميني الشعري، رُبما بفعل وعي إبداعي مسكون بموروث شفاهي يعتقد بالأثر الغنائي للشعر وتداوله.

تُنَوِّع الذات الشاعرة في استعمالات الضمائر التي تتكلم عبرها الذات بين المتكلم والمخاطب والغائب كما في هذه القصيدة، وكأنّ الذات تعاين نفسها من على مبعدة ما يُتيح لها تأمل أحوالها المتَقَلِّبة، هذا التنوع الضمائري في الإشارة  للمضمر نفسه بغير ضمير يبرز تعدد زوايا رؤية الذات نفسها كما يُنعِش إيقاع القصيد.

لغة الشاعر

مراوحات-المكانتبدو الذات الشاعرة في خطاب علي الدميني شديدة الحساسية تجاه لغتها، وكأنّ عين الذات على اللغة في استيعابها الأشياء، واحتوائها عناصر العالم، وتعبيرها عن الوجود، وتمثيلها الجمالي له شديدة الانتباه والتبصر، فيقول الدميني في قصيدته «تمثال الماء»:

الماءُ

هل كان الكلامُ يجيد وصفَ الماءِ،

حين يفرُّ من معناه،

عريانًا، نحيلًا، دونما صفةٍ،

ولا لُغَةٍ، ولا أسماءْ؟

إذا كان عنوان القصيدة «تمثال الماء» يحمل نوعًا مما يُمكن أن نصفه بـ«التنافر الضدّي» بين عنصري التركيب، فالتمثال أبرز ما يَسِمه هو الصلابة والجمود، في حين أنّ الماء يوسم بالانسيال والانسيابية، وهو ما يكون مضادًّا لصلابة التمثال؛ فإنّ ذلك يبرز فاعلية الشعر وعمل المجاز استثمارًا لما تتيحه رخصة «الكذب الجمالي» التي تبرز شيئًا من الحس السوريالي الذي يُغلِّف وعي الذات الشاعرة بموضوعات العالم.

وفي تَمثُّل علاقة (الكلام) الذي هو فعل الذات باستعمالاتها اللغوية إزاء (الماء) الذي هو موضوع العالم الذي تسعى الذات لإدراكه بفعل (الوصف)، يبدو هذا (الماء) عصيًّا على الوصف، يفرّ من معناه، بلا صفة أو لغة أو أسماء، في شعور ذاتي بانبهام موضوعات العالم وأشيائه، وهو ما يفجِّر تساؤلًا حول علاقة اللغة بالعالم، أيهما أسبق، وأيهما يخلق الآخر، هل اللغة هي التي تصنع العالم وتصيغ موضوعاته؟ أم أنّ العالم بأشيائه وعناصره هو الذي يُشكِّل اللغة ويُخلِّق الكلام؟

إذًا، فاللغة هي هاجس الذات الشاعرة ومناط تساؤلها في شعر علي الدميني، فتبحث الذات في علاقة اللغة بالعالم، وفعل العالم باللغة:

تتسلّلُ العنقاء حاملةً خطاياها إلى لغتي،

كما تتسلّلُ الأسرارُ من عينين مثقلتين بالتقوى

وبالصبواتِ،

توقدُ قربَ طاولتي مواعيد الخرافة في التفاتاتها،

وتهربُ

حين تفضحُني ارتباكاتُ القصيدةْ.

يتضح -لدينا- أنَّ الذات الشاعرة تدرك انتفاء سيادتها على لغتها في إدراك لفعل اللاوعي اللغوي الذي تتسلل إليه عناصر الخرافة. إذًا، فالعالم -لدى علي الدميني- هو الذي يُشكِّل اللغة ويكتبها، واللغةُ هي التي تكتب الذات، كما في الفكر ما بعد البنيوي، وكذلك وفقًا للمبدأ الهايدغري بأنّ اللغة هي التي تكتبنا أكثر من كوننا نحن الذين نكتب اللغة، وهو ما يفضي بالقصيدة إلى الارتباك الذي يفضح ذاتها الشاعرة.

اترك تعليقاً