الإثنين - 2 ربيع الأول 1439 هـ , 20 نوفمبر 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. مقالات / مقالات رئيس التحرير
  3. عصر الغضب ومستقبل العالم

عصر الغضب ومستقبل العالم

ماجد الحجيلان - رئيس التحرير
نشر في: الخميس 02 مارس 2017 | 11:03 ص
807 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-

«إن شيئًا مخيفًا على وشك الوقوع».. هكذا يختصر الباحث الهندي بانكاج ميشرا خلاصة كتابه الصادر حديثًا «عصر الغضب» وهو لا يفاجئ قراءه بهذه النتيجة إذ يأخذهم في رحلة طويلة فيما سمّاه «تاريخ الحاضر»، ويعود بجذور الغضب والعنف والكراهية التي تسود العالم الآن إلى القرنين الماضيين، ويتكئ على مروياته المتعددة من أقوال وأطروحات مفكري التنوير والحضارة الغربية ليصل إلى النتائج السياسية والثقافية اليوم، وفي كتابه سيجد القارئ تفسيرًا مختلفًا لحوادث بات تفسيرها الشائع مبتذلًا، فمن صعود اليمين المتشدد في أوربا إلى البرغزت (Brexit) ومن الترَمْبيّة إلى الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، وظهور دولة داعش، والأزمات المالية والاقتصادية، والكراهية الصاعدة ضد المهاجرين والأقليات والمسلمين، وصولًا إلى موجات التعبير عن الغضب والحقد في وسائل الإعلام الجديد والقديم معًا.

أحدث كتاب ميشرا هزة في الأوساط الفكرية الغربية، وهو رغم رفضه السردية الغربية السائدة قُوبل باهتمام ونقاش مستفيض إن في وسائل الإعلام أو في مراكز الأبحاث والمطبوعات الثقافية المتخصصة، ويمثل «عصر الغضب» ما يشبه الثورة الفكرية على التفسيرات الجاهزة لانفجار الشعبوية في وجه الغرب، فالقول بأنها ردة فعل على وحشية داعش مثلًا، أو ازدياد المهاجرين المسلمين هو تفسير سطحي، وهو يعيد ذلك كله إلى ما يصفه بجذور الغضب والخوف الكامنة في النفس البشرية، ويربطها بمساراتها النفسية وأحداثها التاريخية معززًا ذلك بالشواهد.. فلقد ظلت الشعبوية كامنة في أسفل المجتمعات الغربية بانتظار أن يقطف ثمراتها الديماغوجيون في الأعلى، وهو ما حدث مع انتصار ترمب في الانتخابات الأميركية الذي سبقه تفشي الحوادث والخطابات العنصرية، وفي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي الذي سبقه مقتل النائبة العمالية جو كوكس بالرصاص والسكين معًا، لكنها علامات لم يكن أحد يضعها في سياقها الصحيح وفق تفسيره.

يقول بانكاج ميشرا :«هناك مسار قديم من الوحشية والألم والمعاناة أوصل التجربة الأوربية لواقعها المستقر اليوم» أي أن أوربا الحاضرة صنعتها كل هذه التجارب واللحظات التاريخية المؤلمة في الحربين العالميتين وما قبلهما، وهو يرى أن المليارات من البشر جرى اقتلاعها من تقاليدها ومنظومتها القيمية والفكرية -أيًّا يكن مستواها- وألقيت في العراء، فلا هي بالتي استطاعت استيعاب الحداثة الغربية ولم تبقَ في مكانها التقليدي المريح، فصارت منبتّة ومحبطة وخطيرة على نفسها وعلى غيرها، فوعود الحرية والرخاء لم تتحقق، وتحولت الثورة التقنية ومعدلات الناتج المحلي والمصالح الاقتصادية إلى دين جديد وعقيدة هيمنت لا على السياسة فحسب بل على الفكر والثقافة، ما جعل المجتمعات تدخل في تنافس محموم لتحصيل هذه المكاسب التي هي كالسراب، والنتيجة عند ميشرا وصول هذه الشعوب إلى البؤس واليأس، ومن ثم الرغبة الملحّة في الثورة على هذا النظام في شكل عنيف وعدمي.

ويشدد ميشرا على أهمية عامل الخوف عند البشر، الخوف من فقدان الشرف والكرامة والمكانة، وعدم ثقة الشعوب في التغيير وعواقبه، ويرى أن الغرب تجاهل عوامل الاستقرار المغرية وحميمية الألفة، ولم يعد فيما يسمى النظام العالمي الجديد مكان للدوافع البشرية الغريزية الأكثر تعقيدًا، فالرعب من الظهور بمظهر الضعيف، والغرور والحاجة لحفظ ماء الوجه، والهوس بالتقدم المادي.. كلها عوامل نفسية واجتماعية لم تؤخذ في الحسبان. العقلانيون تجاهلوا عوامل الاستياء من الشعور الدائم بالتخلف واللذة العنيدة للشعور بدور الضحية المزمنة، فعلى سبيل المثال يعيد ميشرا دوافع ألمانيا للتوسع أوائل القرن العشرين وكذلك عناد الصين وروسيا اليوم إلى الشعور بالمهانة أكثر من أي شيء مادي آخر.

ومن معتزله في ماشوبرا على مقربة من الهملايا الهندية راح ميشرا يرسل أبحاثه التي تراجع كثيرًا من المسلّمات الغربية والشرقية على حد سواء، ومضى يصعّب مهمة من يريد تصنيفه في اليمين أو اليسار، فهو ينتقد الماركسية والليبرالية معًا، ويهاجم بوذيي ميانمار وقوميي ألمانيا البيض، على أنه مشغول بنقد مبادئ التنوير والعقلانية في أوربا وما وصلت إليه من خلاصات اليوم، فهو يراها غير صالحة لتفسير العالم الذي نعيش. ومستندًا إلى ما كتبه دوستويفسكي يؤكد ميشرا أن دوافع البشر ليست عقلانية بالضرورة، ويعيد التذكير بما قاله سيغموند فرويد «الدوافع البدائية والوحشية والشر لم تختفِ مطلقًا إنما هي كامنة في كل فرد» ويرى أن كل ما أسس مبادئ العقلانية الغربية من دراسات نفسية واجتماعية وفلسفية قدمها أمثال نيتشه وفيبر جرى تجاهلها في العصر المادي اليوم.

ويمضي الباحث الهندي في تعداد الشواهد التي ترسم في رأيه مؤشرًا واضحًا على انهيار عالمي قريب، داعيًا للالتفات إلى العوامل الروحية والعاطفية لدى البشر في سعيهم وفهمهم المتناقض لمبادئ الحرية والمساواة والرخاء.

هذا الكتاب الذي يصفه أحد النقاد في الغارديان بأنه جرس إيقاظ مخيف، قد لا تتفق مع جميع نتائجه ومعالجاته، لكن يصعب أن تتجاهل فرادته في مجاله، وكونه تأريخًا للأفكار خلال القرنين الماضيين ونقدًا جريئًا ومغايرًا لما آل إليه «عقلُ العالم» ولكل المواضعات الفكرية التي تقارب أزمات العصر الحاضر، غير أن ميشرا لم يتناول بالتثمين ذلك الحرص الغربي المذهل على حكم القانون واحترام المحاكم والقضاة وسيادة النظام، وهو منجز غربي قد يجيب عن بعض الأسئلة التي يطرحها الكتاب، وحيث إن نظرة ميشرا إلى الدين بوصفه عاملًا روحيًّا فيها كثير من الإجلال؛ إذ يبرئ الأديان من أخطاء البشرية اليوم؛ يأخذ عليه كتاب علمانيون رهانه على الفاتيكان مثلًا وكيف يدعو البابا فرانسيس إلى القيام بدور أكبر في تجنيب العالم الهاوية التي يتوقعها.

وأيًّا يكن الاتفاق أو الاختلاف مع قراءة ميشرا لتاريخ الحاضر وتوقعاته بمستقبل خطير؛ فإن كتابه محفز على التفكير مرات في القناعات والمسلّمات التي فرضتها قواعد السيطرة الغربية على العالم، والحال أن كثيرًا من الدراسات والتقارير الدولية والمعطيات السياسية اليوم تعزز هذه النظرة غير المتفائلة إلى مستقبل العالم في المدى المنظور، ولعل من أهمها تقرير صدر مطلع عام 2017م عن مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية (NIC) وفيه يقرأ محللو وخبراء الاستخبارات الأميركية مؤشرات سياسية واقتصادية لحركة القوى والمجتمعات حول العالم، وهو من التقارير النادرة التي تنبأت باستعار الطائفية وباضطراب سيصيب الدول العربية قبل الثورات بأكثر من عقد.

ولعل من أبرز ما يلفت في هذا التقرير توقعه قرب انتهاء عصر الهيمنة الأميركية، وانكماش الاقتصاد العالمي، وصعود النزعات القومية والعداء بين الدول المتنافسة، وبروز اتجاه عالمي لمعاداة المؤسسة ما يؤدي لضعف الحكومات ونهاية الديمقراطية بمعناها التقليدي، بالإضافة إلى حروب إلكترونية متوقعة وإرهاب سايبراني.

ليست هذه التقارير والكتب ضربًا من التنجيم وقراءة الكف، فعلم المستقبليات صار راسخًا بحيث تأسست له إطاراته المرجعية ومناهجه التحليلية ونماذجه ومفرداته، وهو الأمر الذي يكفل الحصول على نتائج يمكن قياسها واختبار جودتها، غير أن لدى أناس كثر -حتى من الباحثين- كراهيةً معلنةً لهذا النوع من العلوم، وانحيازًا للأرقام المحددة والوقائع المرئية رأي العين.

أمران مستمران في التقدم الإيجابي لخير البشرية اليوم هما المنجزات التكنولوجية، والاكتشافات الطبية، وبين التفاؤل والتشاؤم، حاضر تقاسيه شعوب كثيرة لا تكترث نخبها بالتطلع للغد، فالمستقبل سيكون قضاءً وقدرًا مقدورًا، والغد الذي تفتش عن ملامحه اليوم سيدهمك بخيره وشره، وما عليك إلا الانتظار.

اترك تعليقاً