الخميس - 4 ذو القعدة 1438 هـ , 27 يوليو 2017 م | مجلة الفيصل

  1. الرئيسية
  2. تقارير
  3. بحثًا عن بديل للحداثة أم ضرورة لجيل جديد؟

سوء الفهم واللبس لا يزالان يكتنفانها إقبال السعوديين على الفلسفة..

بحثًا عن بديل للحداثة أم ضرورة لجيل جديد؟

هدى الدغفق - الفيصل
نشر في: الثلاثاء 01 نوفمبر 2016 | 08:11 ص
569 مشاهدة لا توجد تعليقات
A+ A A-
حمد الراشد

حمد الراشد

أكثر من إشارة يحملها الاهتمام بالفلسفة في أوساط السعوديين، الاهتمام الذي هو آخذ في الاتساع لافتًا الأنظار هنا وهناك، فالأمر ليس مجرد اقتناء كتاب فلسفي، ولا عقد جلسة ومناقشة لموضوع يتعلق بـ«الوجود»، و«الكينونة»، أو «الأخلاق» عند هذا الفيلسوف أو ذاك، كما أن الأمر يتخطى تأسيس موقع إلكتروني ينشر مقالات ومواد فلسفية.

إقبال السعوديين على الفلسفة يعني، ضمن ما يعنيه، الاهتمام بقضايا كبرى وطيدة العلاقة بالخطابات الفكرية المتصارعة حينًا والمتحاورة حينًا آخر، وربما يعني أيضًا، كما يذكر بعض المشتغلين في حقل الفكر، إخفاق مشروع التنوير والحداثة، ومن ثم لا بد من البحث عن بديل. الولع بكل ما هو فلسفي، هو ولع بالتفكير المنطقي، ولع بمساءلة الأشياء وعدم التسليم في سهولة. هو أيضًا البحث عن أسئلة جديدة، تستوعب جملة المشكلات التي يعانيها جيل الشباب، الذي يعيش وضعًا مختلفًا أقرب ما يكون إلى مأزق وجودي، نتيجة الخيبات الكثيرة بسبب انكسار الأحلام وانتشار التطرف في كل شيء.

الفلسفة عند هذا الجيل الشاب، ليست أيديولوجيا إنما علم، وطريقة في التفكير ومنهج لرؤية الذات والعالم. ويأتي الاهتمام بالفلسفة في ظل غياب فلسفي تعيشه الجامعات ومقرراتها، إضافة إلى اللبس في فهم الفلسفة وتلقيها عند العامة. ويؤكد مهتمون الحاجة إلى إعادة الاعتبار للفلسفة ومفهومها، من خلال طرح تساؤلات عدة، من قبيل: ماذا يعني غياب الخطاب الفلسفي بصفته أداة أساسية لإنتاج المعرفة؟ على أن هناك من يرى أن الفلسفة حاضرة في عدد كبير من الخطابات حتى الخطابات الدينية، باعتبار ‏أن الفلسفة هنا تعني التفكير بالعقل.

«الفيصل» سعت إلى عدد من المهتمين، وطرحت عليهم أسئلة حول الفلسفة والاهتمام بها، وماذا يعني هذا الاهتمام على الرغم من الأحكام التي تحيط بالفلسفة.

تفكير فلسفي متوازن

يقول المشرف على الحلقة الفلسفية التي تعقد في نادي الرياض الأدبي حمد الراشد: إن الحلقة «تحاول أن تسهم في تفكير عقلي وفلسفي متوازن للفرد والمجتمع، سواء في الحياة العامة أو في المشهد الثقافي، وبالتالي فإن الحلقة تسعى جاهدة لأن تُعيد إلى منظومة الثقافة تعريفَها الحقيقي بإدخال عنصر الفكر والفلسفة داخل هذه المنظومة، وهو المحور المهم جدًّا الذي يحتاجه المجتمع والمثقف معًا إلى جانب ما نلحظه من اهتمام بالآداب والفنون». ويرى أن الثقافة «أوسع نطاقًا من ضيق الأفق والتحيزات التي نشاهدها على أرض الواقع، ومن هنا فالحلقة الفلسفية تتطلع إلى تشكيل مشهد ثقافي ثري ومتنوع يحترم المنطق والعقل مع انتهاج فكر جاد وفلسفة عميقة وحوار راقٍ»، مؤكدًا أن هذا الهدف سيتحقق «بواسطة نخبة من الأقلام الجميلة الآن وفي مراحل لاحقة، وهذا ما تحاول «حلقة الرياض الفلسفية» تحقيقه واقعًا من خلال إتاحة الفرصة لكل مثقف ومهتم وباحث ومفكر من الجنسين تفاعلًا أو كتابة، بل إن الحلقة تتطلع إلى مشاركة المرأة في خلق مستقبل ثقافي وفكري مشرق؛ إذ إنها المحرك الاجتماعي والفاعل المكمل لآمال الرجل وطموحه».

ويوضح الراشد أن الفكر الفلسفي له أكبر الأثر «نظرًا إلى صلته القوية بالعقل الذي يميز الإنسان عن غيره من الكائنات». وقال: إن العرب تعودوا النظر  إلى الفلسفة بوصفها بين طرفي نقيض، إما لا مبالاة وتهميش لها ويمثل ذلك قول العامة: «لا تتفلسف» جهلًا بما يدل عليه معنى التفلسف وأهميته، وإما النظر إلى الفلسفة بصفتها تمثل التعقيد في الحياة والخطر على عادات الإنسان وعقيدته ومصالحه».

الحلقة الفلسفية.. الحلقة الأقوى

وترى الكاتبة سارة الرشيدان، إحدى المواظبات على حضور الحلقة الفلسفية، أن ما يطرح في الحلقة من أوراق يتسم بالجدية والعمق، ويغطي مجالات لا توجد لها دراسات متخصصة في السعودية. وتقول: إن ما يحفزها على الحضور، «المتعة التي أجدها في الطرح الفلسفي والفكري في الحلقة من جهة، ومن جهة أخرى أن بعض المشاركين في الحلقة بطرحهم أو حتى بحضورهم ‏الشخصي يمثلون صفوة مثقفة ومؤثرة في المجتمع معرفيًّا، سواء أكانوا أساتذة جامعات أو كتابًا ومفكرين، وفيها يقدمون طرحهم الأعمق، ورؤاهم المعرفية الفكرية ‏المبنية على بحث وقراءة جادة للمعرفة وعلومها، وكثيرًا ما كانت الحلقة سباقة في طرح القضايا المختلفة عن السائد»، مشيرة إلى أن الأيام أثبتت مصداقية الحلقة وجديتها «لأنها دأبت على تقييم وقراءة الواقع قراءة ‏واعية غابت بغياب تدريس الفلسفة… باختصار تعد الحلقة الفلسفية منهلًا ‏فلسفيًّا ذا تأثير فاعل في ظل إهمال الفلسفة وتهميشها في كثير من المؤسسات الثقافية الوطنية».

انشغالات فردية

خالد العنزي

خالد العنزي

الباحث في الفكر الإسلامي خالد العنزي قال: إنه لا يمكن القول بأن فضاء فلسفيًّا ملموسًا قد بدأ فعليًّا بالتشكُّل في أروقة الخطاب الثقافي السعودي، فالتجربة، في رأيه، لا تزال تتمثل في مجرد انشغالات ذات سمات فردية. ويوضح العنزي أن صعود وتزايد الاهتمام بالفلسفة في المشهد الثقافي السعودي، «يعود إلى أسباب تتعلق بهذا التوق الذي يعتري الجيل الجديد في محاولة سبر التجربة الإنسانية بأدوات معرفية غير تقليدية من خلال الفلسفة بوصفها منتجًا إنسانيًّا مشتركًا، وممارسة لإنتاج المفاهيم التي تتحكم بحياة الفرد لتمده بأجوبة عجزت الأيديولوجيات أن تمده بها، بشكل يعكس هذا الارتباط الوجداني الثري بين التاريخ وأسئلته والواقع وتحولاته. هناك أيضًا سبب جوهري آخر يتعلق بأزمة تعثُّر مشروع التنوير الذي ذهب ضحية عدم قدرة هذين الخطابين الكبيرين (الخطاب الشرعي التقليدي والخطاب المدني) اللذين ظلا يتحركان كقوى فكرية مرجعية متصارعة داخل المجال الفكري السعودي؛ من أجل بناء صيغة معرفية جامعة تمزج بين الأدوات والبنى المعرفية الكبرى المؤسسة للعقل والوجدان الإسلامي وهي: الحكمة، والفلسفة، والشريعة في مدرسة واحدة».

ويذكر العنزي أن الجيل الجديد خرج من منظومة الثنائيات الحادة التي يتسم بها الواقع الثقافي اليوم في السعودية، «منحازًا إلى فضائه الخاص والوليد على أسس شبه مستقلة عن المشهد الأم إلى حد ما. ويتحتم أن يكون ذلك الفضاء البديل هو الفضاء الفلسفي الذي نشهد تصاعده اليوم وإن كان من الصعب قراءة هذا التصاعد وتحليله بناء على قواعد ومنطلقات جليلة؛ لكونه كما سبق أن أشرت لم يزل يدور في مجال فردي صرف، يظهر كممارسة وليس له منتج أو رصيد معرفي ناضج حتى اللحظة».

ويرى العنزي أن إفلاس مشروع الحداثة والتنوير الذي يُعبر عنه اليوم -تجاوزًا- بالمـشــــروع الليبــــرالي، قـــد يــــــــؤدي إلـــــى تــــــزايد الإقبال على هذا الاتجاه الفلسفي، «بل ربما كان هو المحرض والملهم الأكبر لنقله من هامش المشهد الثقافي إلى خطاب منافس لما يسمى بالخطاب التنويري في تحقيق توازن من نوع ما على مستوى الخطاب الثقافي الوطني العام».

جهل أو سوء فهم

من ناحية أخرى، يرى رئيس مركز الوسطية للأبحاث والدراسات الشيخ عيسى الغيث أن ‏الموقف المتشنج من الفلسفة وعلم الكلام والمنطق تاريخيًّا جاء بسبب «جهل أو سوء فهم ‏بعض العلماء لهذه العلوم الإنسانية التي لو تأملنا القرآن الكريم والسنة المطهرة لوجدناهما ‏يدعوان إليها؛ كالأمر الرباني بالتفكر والتأمل والتدبر والتعقل ونحوه. وأما ‏الموقف الحاد اليوم من كل جديد وتنفير الناس بهذا الغلو والتطرف فبسبب الجهل بهذه ‏العلوم، وتعطيل العقول حتى أصبحت جملة (عقلاني) أو (تنويري) أو (تجديدي) محل تنابز ‏وتهكم وتحقير للأسف الشديد، ولا حل إلا بالرجوع إلى تعاليم الإسلام الحقيقية الواردة في ‏الكتاب والسنة التي دعت لعلم الفلسفة والكلام والمنطق بما لا يخالف الدين، ويحقق المصلحة ‏العامة الدينية والدنيوية ويدرأ المفاسد عن البلاد والعباد».

خالد العنزي

خالد العنزي

حسن ياغي

حسن ياغي

وللخلاص من الالتباس بين الديني والفلسفي يشدد الغيث على مسألة مهمة: لا بد ‏من التفريق بين الفلسفة وعلم الكلام والمنطق؛ فالفلسفة تهتم بمباحث كثيرة منها: دراسة ‏الوجود، ودراسة المعرفة الإنسانية، وكيف نحصل عليها، ودراسة القيم الأخلاقية، ودراسة ‏السياسة وغيرها. أما علم الكلام أو علم الجدل عند العرب فهو قرين الفلسفة غالبًا، وقد انحرف ‏عندهم عن مساره الشامل إلى التركيز على الجوانب العقدية، لافتًا إلى أنه من هنا بدأ الخلل «ومن ثم ‏التحذير منه؛ إذ خرجت فرق متعددة متأثرة به؛ كالجهمية، والمعتزلة، والأشعرية وغيرهم، ‏وأما علم المنطق فهو العلم الذي يبحث في التفكير الصحيح، وكيف ننتقل بأحكامنا من أشياء ‏مجهولة تخفى علينا إلى أشياء أخرى معلومة (الانتقال من المجهول إلى المعلوم) مما يساعد ‏في تنمية الملَكة العقلية على التصور والإبداع».

أسئلة الذات والوجود

من جهة أخرى، أكد حسن ياغي مدير دار التنوير (إحدى دور النشر العربية التي تعد الفلسفة واحدة من اهتماماتها الرئيسة) إقبال السعوديين على كتب الفلسفة بكثافة، ويرد هذا الإقبال إلى أنه بقدر ما تصبح أسئلة الذات، والوجود والقيم، والأخلاق والماضي والحاضر، أسئلة مطروحة في حياة المجتمع، «بقدر ما تصبح الفلسفة حاجة؛ لأنها ميدان هذه الأسئلة». ويقول: إن هذه الأسئلة التي تبدو بعيدة أو وهميّة «هي في الحقيقة أسئلة ملحّة على جيل جديد من المتعلمين والمتعلّمات الذين ما عادوا يتقبّلون فكرة العلاقة مع الآخر، ولا العلاقة بين الجنسين، ولا العلاقة بالسلطة (زمنية ودينية)، ولا العلاقة بالعالم، والعلم… كما كانت الحال لدى أهاليهم وأجدادهم. صحيح أنها أسئلة بسيطة، لكنها قويّة وملحّة إلى حد جعل للفلسفة، وهي ميدان هذه الأسئلة، حضورًا ينمو ويتزايد في أوساطهم. وهذا تعبير عن التطوّر الذي يحصل في المجتمع. فقبل سنوات عدة كانت كتب تطوير الذات هي الكتب الأكثر رواجًا لدى هذه الفئات، وبخاصة تلك الكتب التي تلامس قضايا فلسفيّة أو دينيّة.. لكن هذا النوع من الكتابات لم يعد يرضي فئة من القراء أدركت أن في هذا النوع من الكتب تكرارًا للأفكار نفسها، وأن مثل تلك القضايا تحتاج إلى معرفة أعمق وقدرة أوسع وأكثر عمقًا في النظر إلى الأفكار التي تبني العالم».

ويلفت حسن ياغي إلى أن الشبان والشابات «صاروا يحتاجون إلى معرفة تدلّهم على مواجهة القلق الذي يعيشونه كنتيجة لأزمات المجتمع. ويخطئ كثيرًا من يظن أن في هذا مروقًا من المجتمع. إنهم يبحثون عن الحلول التي من واجبهم البحث عنها، سواء على المستوى الفردي (وهذا مهم جدًّا)، أو على المستوى الأخلاقي (وهذا له تأثير كبير وهم يرون الفارق بين الخارج والباطن). أو على مستوى القيم التي تنظّم حياة الناس وتُنظم علاقة الواحد (ة) منهم بالآخر».

ويتطرق إلى أن بعض هؤلاء أصبح «يفتش عن كلمة فلسفة في أي كتاب، كما لو أنها «موضة» وعليه أن يقتني الكتاب وهو عاجز عن فهمه أو قراءته. ولذلك ذهبنا باتجاه تقديم كتب مبسطة بالفعل تساعد على تلمّس بداية الطريق للتفكير الفلسفي، وهذا النوع من الكتب يلقى إقبالًا مميزًا في السعودية».

كتب محاصرة بالخوف

عادل الحوشان

عادل الحوشان

أما الكاتب والناشر عادل الحوشان (دار طوى)، فيقول: إنه لسنوات طويلة ظلت حركة النشر المحلية «تدور في إطار الآداب وفروعها، وحبيسة مؤسسات رسمية خاضعة للرقابة بشكل مباشر، لم تتطوّر حرية النشر المحلية إلا في العشر سنوات الأخيرة، وهو عمر متأخر كثيرًا في تطور العلوم والكتاب تحديدًا».

وفيما يخص الفلسفة وكتبها وأسئلتها يذكر أنها ظلت «محاصرة بالخوف من طرحها؛ لأسباب تكاد تكون هي نفسها أسباب تأخر حركة النشر المحلية، يضاف إليها ما لاحقها من تحريم ديني واجتماعي على مستوى الجامعات، وعلى مستوى تظليل المفهوم العلمي لها». ويشير إلى أنه لم تتوافر مصادر مهمة لأسس الفلسفة غير الكتب المترجمة «على الرغم من مرور أكثر 2500 عام على أول إطلاق للمعنى والمفهوم الفلسفي، وعدّت محرمة كعلم ومحظورة كاتجاه، ساهم بالطبع التصور الديني لها بنفيها وعدّها علمًا منافيًا للعلوم الدينية. ولنا أن نتخيّل محاولة زحزحة هذا الثقل على مدى مئات السنوات في غضون عشر سنوات من عمر الحضارات المتقدمة».

ويلحظ أن ما يسميه «الكتب الموضوعية»، «احتلت مكانًا جديدًا بعد سيادة الشكل الأدبي سنوات طويلة». ويقول: «إن هناك أنواعًا وأشكالًا أدبية شهدت حرب إزاحة، لكن «بالمراوغة احتل الأدب مكانه، وأتيح له المزيد من الفرص في العشر سنوات الأخيرة مع اتساع وسائل النشر والتواصل». ويلحظ عادل الحوشان أن عناوين الفلسفة الكبيرة «بدأت في أخذ مكانها في المعارض المحلية. والملحوظ أيضًا أن القارئ أصبح يسأل ويجيب ويناقش ويسعى للحصول على كتاب الفلسفة، وكأنه كان بانتظار الفرصة ليثبت نوعيته داخل المجتمع وينفي هذا الخوف غير المسوّغ طوال عقود».

تقاليد‭ ‬للكتابة‭ ‬الفلسفية‭ ‬

أكد الكاتب شايع الوقيان وجود إرهاصات مبشرة لقراءة الفلسفة في السعودية وكتابة النص الفلسفي، «وثمة إقبال ملحوظ من شرائح القراء على الكتاب الفلسفي». ويقول: «بما أن الفلسفة غائبة تمامًا من نظم التعليم لدينا فإن الأفق الذي سمح للقراء السعوديين باقتحام حقل الفلسفة هو أفق الإنترنت. فوسائل التواصل الاجتماعي والمدونات الإلكترونية والمنتديات شهدت كثافة في انهماك شريحة لا بأس بها من القراء على الفكر الفلسفي. لكن هذا الانهماك لن يتطور إلى مرحلة النضج ما لم تترسخ تقاليد للكتابة الفلسفية. وأهم عوامل ترسيخ تقاليد فكر فلسفي هو السماح للفلسفة في التعليم العام والتعليم الأكاديمي. فلا وجود لدينا لأقسام أو كليات تعنى بالبحث الفلسفي والمنطقي. وهذا خلل كبير لا يليق ببلد مهم على المستوى الإقليمي والدولي كبلادنا».

شايع الوقيان

شايع الوقيان

ويرى الوقيان أن ولوج الفلسفة إلى الحقل الأكاديمي «سينقل الاهتمام الفلسفي من المستوى الشخصي والفردي إلى المستوى المؤسسي والتربوي. إضافة إلى أن القراءة الحرة في الكتب الفلسفية لا تفضي إلى «التخصص» العلمي الدقيق في الفلسفة. وكل ما نراه هو جهود فردية متنوعة تنتقل من فكر إلى فكر ومن مذهب إلى مذهب من دون تأسيس حقيقي لاشتغال فلسفي شامل وعميق. بعبارة أخرى، التخصص في أي مجال علمي أو معرفي سيؤدي بالضروري إلى نشوء «تقاليد علمية» وإلى بروز مجتمع معرفي. وهذا المجتمع المعرفي هو أساس تطور أي علم، والعلم لا يتطور بالجهود الفردية».

   ويرى الوقيان أن هناك ميلًا أكاديميًّا إلى العلوم التطبيقية، وإهمالًا للعلوم النظرية. «حتى في العلوم الاجتماعية والإنسانية عموما يلحظ اشتداد ذلك الميل التطبيقي. وهذا أدى إلى انفصام الفكر العلمي الأكاديمي عن الواقع المعيش. ففي العلوم الاجتماعية مثلًا نجد مصادرة على التعريفات النظرية التي قررها علماء الاجتماع الغربيون، ومحاولة لتطبيق ذلك على واقعنا المغاير. وهذا خلل منهجي كبير؛ لذا فالحاجة إلى التنظير العلمي ملحة وضرورية. والحديث عن التنظير العلمي والمنهجي يقودنا مباشرة إلى الفلسفة. فكل المنظرين في العلوم الإنسانية هم فلاسفة وقلما نجد منظرًا لا يعنى بالفلسفة».

غياب‭ ‬المرأة‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭ ‬

تقول الكاتبة الدكتورة أميرة كشغري: إن العلاقة بين المرأة والكتابة الفكرية الفلسفية «يجب أن ينظر إليها من زاويتين طبعتا تطور المجتمعات على مر العصور، أولاهما: ظروف المجتمع وواقعه الثقافي الفكري، ثم موقع المرأة في هذا المجتمع بشكل عام وقدرتها على تجاوز القيود السوسيوثقافية المفروضة عليها، والخروج من دائرة الانشغال المعيشي اليومي بوصفها «أنثى» إلى أفق الانشغال الفكري الفلسفي بوصفها إنسانًا». وتمضي قائلة: «بداية لا بد أن نعترف بأن الفلسفة على مر التاريخ وفي كل المجتمعات كانت تمثل مجالًا نخبويًّا، فالانشغال الفلسفي كان يتطلب، إلى جانب سعة المعرفة، وقتًا كافيًا للانشغال الفلسفي، لذا كان النصيب الأوفر من حظ الرجل؛ إذ لم تحظ النساء بالتعليم أو الوقت الكافي للدخول في مجال الحياة المعرفية الفكرية، ومع ذلك يمكن تعداد عدد من النساء الفلاسفة (أو على أقل تقدير مفكرات) في الغرب مثل سيمون دي بوفوار. أما مجتمعنا بشكل عام، فهو مجتمع غير صديق للتفكير النقدي وبناء المفاهيم، ولذلك فهو لا يؤسس لعملية بناء الإنسان المفكر. فالفلسفة إن لم تكن مجالًا محظورًا، كما تعودنا، فهي ضرب من الترف والسفسطة على أحسن تقدير، المدارس لا تشجع على التفكير النقدي ولا تبني المنهج العلمي في الحكم على الأشياء، كما أن وسائل الإعلام لدينا لا تسهم في تنمية الاتجاهات النقدية الخلّاقة لدى الفرد».

%d8%a7%d9%94%d9%85%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d9%83%d8%b4%d8%ba%d8%b1%d9%8a

أميرة كشغري

وتلفت كشغري إلى أنه بناءً على تعريف الفلسفة بوصفها منظومة من الأفكار والمفاهيم التي تفسر العالم وتقترح رؤية جديدة للعلاقة بين الإنسان والثقافة والمجتمع، «يمكن القول بأنه ليس لدينا فلاسفة من الرجال ولا النساء». وتقول: إن مسألة عزوف المرأة السعودية عن الفلسفة «نتاج طبيعي لظروف اجتماعية ثقافية تعيشها المرأة في مجتمعنا، فالمرأة معطلة في مجتمع يفرض وصايته عليها ويعدّها ناقصة عقل، فكيف لناقصة عقل أن تفكر، وكيف لها أن تبدع في مجال الفلسفة وهي محاطة بسياج من الممنوعات يتعامل معها على أساس أنها قاصرة!! إذن فموضوع الفلسفة وعزوف المرأة عنها هو نتاج طبيعي لظروف اجتماعية ثقافية تعيشها المرأة. وهذه الظروف تجعلنا ندرك أن موقع المرأة الاجتماعي ومستواها الثقافي يعدّ مرآة تنعكس فيها مواصفات هذا المجتمع وشروطه الحياتية».

وتذكر أن الدخول إلى عالم الفلسفة «يمثل المرتبة العليا في هرم الاحتياجات الإنسانية؛ إذ تتعلق بطرح قضايا لا يمكن أن يتعرض لها إلا من انتهى من إشباع الحاجات الأساسية، كما يقول عالم النفس ماسلو. ومن الواضح أن المرأة، بشكل عام والسعودية بشكل خاص، ما زالت تصارع في أسفل هرم الحاجات الإنسانية الأساسية، فكيف لها والحال كذلك أن تخوض ميدانًا يأتي في المرتبة العليا من مستويات الفكر؟ ما زالت المرأة تناضل من أجل كسب قضايا وحقوق أساسية مثل حقها في أن تكون إنسانًا كامل الأهلية، يملك القدرة على اتخاذ قرارات حياته المصيرية الأساسية في الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والعمل والحركة والسفر. وليس لنا أن نتوقع منها أن تخوض مجال الكتابة الفلسفية وهي لم تتجاوز الأساسيات في الحياة بعد».

اترك تعليقاً