…وذات يوم، بعد مطر غزير، امتلأت الساحة المجاورة لورشته زهورًا طبيعية من مختلف الأشكال والألوان. فلسفته في صنع الأبواب، أن يصمم زهورًا من النحاس ثم يلحمها على أبواب الدور ليألف السكان شكل الزهور الطبيعية عندما يأتي الربيع. الأجداد الذين أفنوا أعمارهم في جلب حجارة المدينة من الجبال ألَّفوا لمفصلات الأبواب أصواتًا حزينة يسمعها الداخل كما يسمعها الخارج، ولما ماتوا كان هو قد حفظ كل الأصوات فراح يحكي للأجيال الجديدة قصصًا مختلقة، لكن زهرة حقيقية بهذا الجمال الذي عقد لسانه جعله يتوقف عن عمله كحداد ماهر ويقضي وقته أمامها في فناء الدار الكبيرة الواسعة. راح يتأمل البتلات وهي تكبر وتتمدد، أسماها بنت الدار، وبنى عليها ظلة من الخشب الناعم. مد ماسورة الماء إلى الحوض، وتوافد عليه أصحاب الدور الجديدة، طالبين منه أزهارًا من النحاس لأبواب دورهم لكنه اعتذر إليهم في أدب بالغ، وأبلغهم أن ابنة الدار الجميلة في طور النمو الآن ولا يستطيع تركها وهي في هذا العمر اللين للغاية.

صار يقضي جُلَّ وقت فراغه بالقرب منها. ثم ما لبثت أن شاركته زوجته الاهتمام بها، بل إنها ذات عشية راحت تنشج أمامه لأنها لم ترزق طفلًا منذ سنوات. ثم ابتسمت فجأة، ثم لمست الزهرة بإحدى أصابعها على نحو ما تفعله الأم حينما تلمس بأطراف أناملها وَجْنَةَ رضيعها. وفيما هو يتابع صمتها متأملًا شعورًا بالرضا يفيض من عينيها، مالت إليه متحدثة عن تغير غريب يتحرك في ثدييها كما تتحرك الحياة في الزهرة. وفورًا، أَرَتْهُ صدرها لتؤكد صدق كلامها، وكان الفضول قد بدأ يلحُّ عليه في مشاهدة التغير المفاجئ الذي أصابها رغم أنه هو أيضًا كلما جلس إلى جوار الزهرة، فاض منه ما خيل إليه أنه شعور الأب الجالس مع ابنته الصغيرة. من إحدى الحلمات، رأى قطرة بيضاء تطل برأسها خارج الثدي، ثم لما عجزت عن التماسك سقطت إلى أسفل. عندها، تذكر أنه ربما آذى مشاعرها حينما حدق فيها بتلك الطريقة الفجة التي قد تفهم منها أنه إنما يلقي عليها لائمة عدم الإنجاب. بيد أنه في اللحظة نفسها كان ينظر إلى الثديين مندهشًا من حجمهما الذي صار أكبر، ومن لونهما الذي مال إلى دكنة الأثداء المبذولة باستمرار إلى الأطفال الرضع. وكان كلما أمعن النظر، حدث نفسه قائلًا: ثماني سنوات من الرشاقة والتناسق الجسماني ها هي تنهار في لحظة واحدة أمام زهرة، وها هي كما لو أنها امرأة متمرسة في الإنجاب تستطيع مج الحليب من صدرها كما أرى الآن! عانقها.

وفي اللحظة التي يقتربان فيها من الحوض، كان ينبهها إلى حساسية الزهرة فتتوقف عن الحركة وتعود إليه في الحال. وروت ذات عشية أن أجمل الأوقات بينهما هي الأوقات التي يقضيانها بجوار الزهرة. كانت تنزل بالقهوة والشاي إلى الفناء كل صباح، ثم يبدآن الحكي. هو يحكي للزهرة الحكايات، وزوجته تقص عليه القصص. وكان يراها تتمايل وهو يتكلم. كانت الزهرة تشرق بألوانها الزاهية كلما حكى لها حكاية سعيدة. وعلى النقيض من ذلك، كانت تشحب ألوانها وتضطرب عندما يأتي بحكاية حزينة فيها أحباب يموتون أو يحترقون بالنار. أما زوجته، فكانت تقص عليه هو القصص التي تحفظها، وغالبًا ما تكون عن نساء يلدن وحدهن في أطراف المدن أو في وسط الصحارى المقفرة، ثم إما يَمُتْنَ أثناء الولادة، أو يعشن ويموت أطفالهن.

وكانت الزهرة أمام تلك القصص تتلوى وتصطخب فيها ألوان الاحتضار والموت، حد أنه كان يطلب من زوجته التوقف عن الكلام وإلا فإن الزهرة ستموت لا محالة. ومن فرط حرصه على بقائها يانعة ريانة، امتنع عن الصعود إلى البيت، وترك لزوجته كامل الدار رغم أنها لم تكن تمر ساعة إلا وهي إلى جواره تسقيه وتطعمه وتتفقد معه الزهرة من غير أن تفارق شفتيها ابتسامتها المعتادة. ثم جاءت أيام حارة بدت فيها الشمس كما لو أنها تريد حرق الناس والنبات دفعة واحدة. قلق أشد القلق على الزهرة، وخاف إنْ هي احترقت أمامه، أن تحترق في داخله مشاعر الأب الذي يكرس وقته كله في سبيل أن يتقرب من ابنته أكثر. بلل ظلة الخيش بالماء، وسقى تربتها، ورابط عندها خشية أن يمسها الطقس بلفحة هواء حارة فتموت مثل أية زهرة تموت في الخارج.

صار يحكي لها الحكايات السعيدة. يجثو أمامها ليغني لها أغاني الربيع. يرفع صوته بترانيم النسمات العليلة التي تلاعب الزهور البرية، وكان يراها تتمايل من الطرب والابتهاج. وعلى إيقاع صوته، كانت زوجته تطل من النافذة وتبتسم، وأحيانًا كانت تتمايل مثل الزهرة بالضبط، كان هو أيضًا زهرتها في الدار كلها. جاءه أبناء جيرانه الصغار فوقفوا في البدء يتأملونه، ولا بد أنهم كانوا ينظرون إليه باستغراب شديد؛ إذ لحظهم بطرف عينه صامتين في وقفتهم، قبل أن تروق لهم الفكرة ويشاركوه أغنية عن العشب ونواوير النباتات البرية الطرية. أصبحا فريقًا متناغمًا يردد أناشيده في الفناء، ويسمع آباؤهم الأناشيد فيأخذهم الفضول والطرب ويحضرون على دفعات وينصتون. وبسبب حضورهم اللطيف، ابتعدت زوجته عن النافذة، ولاذت بالغرف الداخلية. اختفت عنه في عتمة الدار، واكتفت من كرنفالهم الشجي بالإنصات إلى أغانيهم الجماعية من وراء الجدران. تخطفتها العتمة الدائمة للدار وغاب عالمها في الداخل ولم تخرج منه بعد ذلك.