كتب روجيه غارودي في كتابه «ماركسية القرن العشرين»، (دار الآداب، بيروت 1968م، ص59)، العبارة التالية: «إن الجزائري ذا الثقافة الإسلامية يستطيع أن يصل إلى الاشتراكية العلمية بدءًا من منطلقات أخرى غير سبل (هيغل) أو(ريكاردو) أو(سان سيمون): فلقد كانت له هو الآخر اشتراكيته الطوباوية ممثلة في حركة القرامطة، وكان له ميراثه العقلي والجدلي ممثلا في ابن رشد، وكان له مبشر بالمادية التاريخية في شخص ابن خلدون. وهو على هذا التراث يستطيع أن يقيم اشتراكيته العلمية». قام نزيه الحكيم مترجم الكتاب للعربية بوضع هذه العبارة كاملة في صدر مقدمة المترجم للطبعة الأولى الصادرة عام 1967م، ثم أنفق ثلاث صفحات في شرحها.

في السبعينيات صدرت ثلاثة كتب بهذا الاتجاه الذي أول من تحدث عنه غارودي:

«اليمين واليسار في الإسلام»لأحمد عباس صالح، الصادر عام 1973م.

«من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي»، للدكتور الطيب تيزيني، الصادر عام 1976م.

«النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» للدكتور حسين مروة، الصادر عام 1978م. ما يهمنا هنا هو تناول اتجاه ماركسي لإثبات أن هناك جذورًا في التراث العربي يمكن أن تستند عليها الاتجاهات اليسارية العربية، ماركسية وغير ماركسية، وأنها أصيلة و«غير مستوردة». في عام 1973م صدر كتاب أدونيس: «الثابت والمتحول» في الاتجاه نفسه ولكن من منطلقات غير ماركسية، ليقول: إن هناك اتجاهًا «اتباعيًّا» في الفكر العربي واتجاهًا «إبداعيًّا». يربط أدونيس الاتجاه الأول بـ(السنة) فيما يربط الثاني بالاتجاهات الشيعية والباطنية والتصوف.

بعيدًا من أدونيس، فإن الكتب الثلاثة المذكورة لأحمد عباس صالح والطيب تيزيني وحسين مروة تجتمع على القضايا الثلاث التالية:

أولًا- هناك «يمين ويسار في التاريخ الإسلامي» (أحمد عباس صالح).

ثانيًا- هناك «اتجاه مادي ومثالي في الفلسفة العربية الإسلامية» (حسين مروة) وفقًا لنظرية فريدريك إنغلز عن (حزبية الفلسفة) التي قال بها بعد وفاة كارل ماركس.

ثالثًا- تيزيني: «انطلاقًا من تحليل مادي اجتماعي جدلي معمق لواقع المجتمع العربي الإسلامي الوسيط وآفاقه، نجد أنه في مراحله كلها، ومن ضمنها المرحلة الأولى، احتوى اتجاهين أساسيين كانا قد برزا،على نحو معقد ومتداخل ومركب، من خلال مجموعة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأيديولوجية المهمة والثانوية. أولهما كان اتجاه التقدم والإبداع، وثانيهما اتجاه التخلف والمحافظة» (كتاب تيزيني المذكور، دار ابن خلدون، بيروت 1976م، ص66).

طريق إلى الواقع العربي الراهن

صحيح أن الدكتور تيزيني يرفض نظرية غارودي عن المصادر العربية الثلاث للاشتراكية (ص341)، إلا أنه لا يرفضها من ناحية المضمون وإنما من ناحية المدلول لكونها تدل على أن الحضارة العالمية ليست حضارة واحدة، فيما هو في كتابه المذكور يحاول الوصول، تمامًا، نحو ما قاله غارودي، إلى «اكتشاف الجسور – فيما إذا كانت موجودة- بين التراث العربي الفكري وبين الفكر الاشتراكي العلمي» (ص343) و«أن نجعل من التراث العربي الفكري -في وجهه التقدمي- طريقًا إلى الواقع العربي الراهن في اتجاهاته الثورية الممكنة، أي في اتجاهات وحدة النضال الاشتراكي والقومي»، مضيفًا: «فنحن نستعيد الماضي حين نستلهمه ونسائله ونحاوره بهدف الإسهام في حل مشكلاتنا المعاصرة»، ومن أجل «التأكيد على أن أسلافنا قد قاموا بما نقوم به نحن راهنا» (ص 275-76).

في كتاب تيزيني المذكور نلمس العناصر التالية:

أولًا- دراسة التراث هي غرضية من أجل إيجاد جذور ماضية لاتجاه حاضر. ثانيًا- هناك وجه تقدمي ووجه رجعي في التراث.

ثالثًا- هناك جسور بين اتجاهات في معسكر (التقدم) المعاصر واتجاهات في التراث كما هناك جسور بين اتجاهات في معسكر (الرجعية) المعاصر واتجاهات في التراث.

رابعًا- «إن المعركة على التراث العربي معركة طبقية شاملة» (ص347).

يحاول تيزيني تطبيق «الاتجاه المادي الاجتماعي الجدلي» أو ما يسميه «الجدلية التاريخية التراثية» ويخلص إلى التالي: «الدولة الأموية: البناء السياسي الإداري الفوقي للعلاقات الإنتاجية الإقطاعية والتي ساهم في إسقاطها بشكل خاص إقطاعيُّو وعقاريُّو ومرابو الشعب الفارسي والتركي، كانت إيذانًا ببدء مشاركة هؤلاء في بناء الدولة العباسية العتيدة، وقد كانت هذه الأخيرة، في آنٍ واحدٍ، الإطار السياسي للإقطاع وللاتجاه الرأسمالي التجاري المبكر» (ص60). يرى تيزيني أن (الشعوبية الفارسية) المعادية للعرب في العهد العباسي قد أتت من فشل (مبدأ التسوية) وسقوط، أي الجميع مسلمون مؤمنون عربًا وغير عرب، الذي نادى به (ابن قتيبة) (ص59) وأن ما يسميه تيزيني بـ«الاتجاه السلفي»، عند ابن حنبل، هو صيغة مناوئة للشعوبية الفارسية (ص66)، وأن (السلفية) هي اتجاه إقطاعي عربي كما (الشعوبية) هي اتجاه إقطاعي فارسي. يرى تيزيني أن (القدريين) في علم الكلام، الذين ولد منهم (المعتزلة)، هم في «اتجاه التأويل العقلاني التنويري…» مع (أهل الرأي) في الفقه، وكلاهما في مواجهة (الجبريين) و(أهل السنة والحديث) (ص68).

هذا الاتجاه كان سائدًا عند الماركسيين العرب في السبعينيات، وعند يساريين عرب مثل الطيب تيزيني الذي ترك الحزب الشيوعي السوري عام 1969م، والتحق بحزب البعث، وحاول من موقعه الجديد التوفيق بين ماضيه وحاضره عبر مزج «الاشتراكية العلمية» ووصلها بجسور مع التراث العربي عبر «اتجاهات (تقدمية) و(تنويرية)» رأى أنها «موجودة» في التراث. الكتب الثلاثة لأحمد عباس صالح والطيب تيزيني وحسين مروة تفسر فكريًّا الفعل السياسي المتمثل في انغماس الماركسيين العرب، ومجمل اليساريين العرب القوميين، بعملية الترحيب بوصول الخميني إلى السلطة في طهران 11 فبراير 1979م. كان الوحيد بين الماركسيين العرب الذي وقف ضد هذا الاتجاه الفكري- السياسي هو الدكتور نايف بلوز في مقاله: «وقفات مع كتاب النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» المنشور في عدد فبراير 1979م من مجلة «دراسات عربية».

مع سقوط الكتلة السوفييتية عام 1989م، ثم تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991م، لم يعد الدكتور الطيب تيزيني يقول بمصطلح «الثورة» بل اتجه نحو مصطلح «النهضة». لم يعد يركز على مصطلح «الاشتراكية» بل على «الديمقراطية». لم يبتعد من دراسة «التراث»، إذ بان عام 1996م في كتابه: «من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي» (دار الذاكرة، حمص 1996م) الذي رد فيه على الدكتور محمد عابد الجابري، بأن اهتماماته التراثية ما زالت حية. في كتاب تيزيني المذكور يرفض نزعة الجابري في تثبيت (فكرة العقل العربي) ويرفض انطلاقه من «ذهنية عربية فطرية وطبيعية ثابتة انبثق منها ما انبثق من مظاهر ثقافية فكرية في المجتمع العربي تاريخًا وراهنًا» (ص18) كما يرفض تيزيني نزعة الجابري نحو «رؤية القضايا النظرية المجردة، والأيديولوجيا الدينية، والمضمون الأيديولوجي للتراث عامة، كمستويات فكرية يميل استقلالها عن الواقع الاجتماعي الطبقي نحو المئة بالمئة». يتهم تيزيني الجابري بحمل نزعة بنيوية لا تاريخية في معالجته للتاريخ العربي- الإسلامي.

اليسار العربي والتراث

يمكن أن تكون وفاة الدكتور الطيب تيزيني مناسبة ليس فقط لمراجعة مسيرته الفكرية وإنما مناسبة لفحص كيف كان اليسار العربي، بفرعيه الماركسي والعروبي، ينظر إلى التراث في النصف الثاني من القرن العشرين. يمكن أن يفيد هنا إبراز هذا المقتطف لعبدالله العروي: «هذه الكيفية الهادئة الخالية من الهياج لقراءة التاريخ لا تزال بعيدة عن تناولنا.. تلك هي إذن طرق مختلفة لامتلاك الماضي، وكل طريقة منها تشهد، بمعنى ما، بالحالة التي يمر بها المجتمع العربي والفئات الاجتماعية التي يتكون منها. وقد أمكنت الملاحظة، في كل مرة، أن التحديدات الاجتماعية لرؤية التاريخ ليست أبدًا وحيدة. إن الرؤية الشيعية للتاريخ يجري الآن إبرازها ووضعها في مرتبة متقدمة وذلك لأسباب معينة. إن كل إقامة للارتباط بين رؤيات التاريخ والفئات الاجتماعية التي تنشط اليوم في المجتمع العربي لن تستطيع أن تفضي إلا إلى أنصاف حقائق أو حتى إلى أخطاء فادحة». (العروي: «الأيديولوجية العربية المعاصرة»، دار الحقيقة، بيروت 1970م، ص ص 159-60).

بعد وفاة الدكتور تيزيني بأيام أشارت صحيفة «العربي الجديد» (18 مايو 2019م: «الطيب تيزيني.. الرحيل عن سورية الجريحة») إلى أنه في حوار مع موقع «ضفة ثالثة» عام 2017م قد قال الكلمات التالية: «بعد كل الذي حدث في سوريا وفي غيرها أعلن أن كل ما كتبته في حياتي أصبح ملغى وفي حاجة إلى إعادة نظر».