وسط ضجة العالم وازدحامه غير المُبرّر في أحيان كثيرة، فقد الوسط الشعري في العالم مبدعًا لا يمكن لموته أن يكون عابرًا، كيف وهو الشاعر الذي وقف ضد حروب أميركا وهو ابن أرضها التي منحته لقب الشاعر الرسمي للولايات المتحدة الأميركية، رحل الشاعر الأميركي ويليام ستانلي ميروين (1927 – 2019م) مخلفًا وراءه إرثًا شعريًّا لا يستهان به، بدايةً من محاولاته العشرينية في مجلة النيويوركر وهي مجلة أميركية تصدر من دار كونده نست للمطبوعات وتعنى بالنقد والمقالات والقصص والأهم بالنسبة لميروين بالشعر، إضافة إلى محاولاته الشعرية في مجلة هاربرز وهي مجلة أميركية أيضًا تهتم بالأدب والثقافة، حتى دواوينه العميقة التي قال عنها الشاعر الأميركي لورانس ليبرمان: «يجب قراءة القصائد ببطء شديد؛ لأن قوتها مخبأة في إشارات يجب الاستماع إليها في صمت شديد بين السطور». لميروين أكثر من ثلاثين نتاجًا ما بين الشعر والترجمة، فهو عُرف عنه مترجمًا من اللغة الإسبانية، والإيطالية، والفرنسية، واللاتينية.

كان ميروين شاعرًا غزير الإنتاج بشكل لا يصدق، بين الشعر والترجمة والمسرح، بدأ في كتابة التراتيل في سن الخامسة، والتحق بجامعة برينستون بمنحة دراسية، وهناك بدأ أولًا في دراسة وكتابة الشعر. بعد تخرجه في عام 1948م، أمضى سنة في أوربا يدرس اللغات الرومانسية ويعمل كمترجم ومعلم. يعرف عن الشاعر أنه استمر في الكتابة حتى بدايات خسارة بصره، حاز على جائزة بوليتزر للشعر عام 2009م، ويقال: إنه تبرع بأموال الجائزة إلى الحركة المناهضة للحرب الأميركية وقتها، كما حصل على جائزة الكتاب الوطني للشعر في عام 2005م، إضافة إلى جائزة الشاعر الأميركي في عام 2010م.

 الإيكولوجيا العميقة

للطبيعة دور كبير في تكوين الصورة الشعرية لدى ميروين، فهو عرف كشاعر روحي اهتم بفلسفة الإيكولوجيا العميقة وتُعرف على أنها حركة بيئية أطلقها في عام 1972م الفيلسوف النرويجي آرني نيس، الإيكولوجيا العميقة تصف نفسها بالعمق لكونها تطرح أسئلة أعمق عن مكانة الحياة الإنسانية، أكثر دقة: عمَّن نحن!

طبيعة الشاعر أن يخوض في أسئلة عميقة وأن يغوص في الذات وتناقضاتها؛ إذ يتقصد الشاعر في كثير من الأحيان أن يأخذ القارئ لعالمه المليء بالتناقضات، الأمر ليس اعتباطيًّا، التناقضات ملعبه. يشعر القارئ وهو يقرأ له بأنه يتقصد تحويل كل حالة تبعث للقلق إلى حالة حقيقية وشفافة ومتآلفة مع الطبيعة، وكأن فعل الكتابة خارج حدود ذاته جارحًا ومُدميًا،

يمكن أن ندرك الدهشة التي يفتعلها في قصيدته لمَ لا نقدر أن نطير: 

هل هذا ما هو أنت
شبحٌ جديد، هذا ما هو أنتَ
واقفٌ على درجٍ من ماء،
مُحجمٌ عن الدهشة. 

الأمل والشجن لا يزالان جناحينا
لِمَ لا نقدر أن نطير؟
أية هزيمة ما زالت تُبقيكَ بيننا نحن غير
الكاملين.
الدواليب تُداوم على الصلاة،
نحن لا نسمع شيئًا مُغايرًا
نضرب بأجنحتنا
لِمَ أنتَ هنا؟
لم أحسب أنّ لدي شيئًا بعد أُعطيه،
الدواليب تردد ورائي
ثمة ريشات في الجليد
نمدد البرد على ركبنا.
اليوم،
الشمس أبعد مما نخال
وعلى الشبابيك، في السكاكين
أنتَ تراقب. 

كيف يستطيع شاعر أن يجمع ما بين الأمل والشجن بهذه السلاسة من دون أن يخدش الصورة التي يريد لها أن تكتمل، ولا أظن أن ويليام ستانلي ميروين يبحث عن الاكتمال في شيء، مفهومه الخاص للشعر الذي يصلنا به لا يمكن أن يكون مقيدًا بمعايير محددة. خصوصيته تكمن في حريته، هي تمامًا الحرية التي مارسها عندما قال: لا في وجه الحرب، رفض جائزة بولتيزر لأول مرة عام 1972م مسقطًا فخره بالجائزة كأميركي بعدما فعله وطنه بفيتنام، كما شاع أنه مشى في التظاهرات التي عبرت عن رفضها لغزو العراق. وفي أثناء إلقاء القنبلة الذرية قال في حوار نُشر في مجلة الشعر الأميركي: «لم أكن في أي يوم من الأيام داهية سياسيًّا، ولم أكن على بيّنة بالسياسة، فيما أفترض. لكنني أستطيع أن أتذكر عدم التصديق والشعور بالصدمة في اليوم الأول الذي أُعلن فيه عن إسقاط القنبلة الذرية، كنت في الجامعة حيث كان قسم الفيزياء قد لعب دورًا مهمًّا في تطوير القنبلة الذرية». 

سخر من العنف بأشكاله

يسخر ميروين بطريقته الخاصة من العنف بأشكاله المختلفة وتبعاته بكلمة: شكرًا، الشعر أيضًا في لغته يتعرض للمتاعب، لكنه لا ينهزم. يقول في قصيدة شكرًا: 

نعود من سلسلة من المستشفيات ونعود كذلك من مسيرة
وراء الجنازات ونقول شكرًا
وبعد نعوات الموتى
سواء كنا نعرفهم أم لا نقول: شكرًا
وفي الهواتف نقول: شكرًا
وفي الممرات وفي المقاعد الخلفية للسيارات وفي المصاعد
ونحن نتذكر الحروب والشرطة ترصدنا عند الباب
وخبطات الأحذية تضرب على السلالم نقول: شكرًا
وفي المصارف نقول: شكرًا
وبوجوه المسؤولين والأغنياء
وكل من لا يتبدل أو يتغير
نتابع القول: شكرًا لكم جميعًا شكرًا
ورغم موت الحيوانات من حولنا
ومع ضياع المشاعر نقول: شكرًا
ومع سقوط الغابات بأسرع من توالي الدقائق
في حياتنا لا نزال نقول: شكرًا

الشعر في حدس ميروين كالمرأة الذكية والجميلة في وقت واحد، لا يمكن أن تتنبأ بما يمكن أن تكشف عنه، إن أبصرت جمالها فقط، أصابك الفضول لما وراء هذا الحسن، وإن حاولت قراءة مزاجها من دون أن تسمح لذاتك بإبصارها، أصابك شيء من الندم، وأن تجمع بين هذا وذاك يجب أن تدرك بحذر ماهية الطريق جيدًا، وإلى أن تعرف كيف تسير إليها سيعتريك صمتٌ طويل، يخاطب ميروين ذاته بوحشة بالغة وبفلسفة عميقة، وكأنه يعلم أن للصمت وفاءً لا ينقضي ولا يزول.

يقول في ديوان «في ظل شجرة الفل»: 

في صباح مطير في أواخر الربيع
خط أفق المدينة المتشظي
يتلألأ في صمت نعرفه جميعًا
لكننا لا نستطيع أن نلمسه أو نصل إليه بكلمات
وأنا الوحيد الذي يستطيع
أن يتذكّر الآن هنالك بين
الأوراق اليانعة التي يبزّ ضياؤها ضوء النهار
ضوء آخر يتخلّل النوافذ المرتفعة
شعاع شمسي ينزلق مثل الدرج
ومن ورائه صوت أبي..
يحكي عن هباءة في عين
كانت مثل هباءة في شعاع الشمس
ملاحظة
تذكّر تأتي الروح العارية
إلى اللغة وفي الحال تعرف
الفقدان والمسافة والاعتقاد
ثم لن تجري لفترة
بحريتها القديمة
مثل ضوء بريء باعتدال 

وكأنه في هذا المقطع يحاول أن يهيج الصمت أمام فعل الضجيج المبتذل، أشبه ما يكون بضربة كهربائية على الصدر، وتمامًا كمن يرتقب خلاصه الأخير. مما لا شك فيه أن تداخل الفلسفة في شعره ليست من قبيل المصادفة، هكذا يتكيف أكثر مع اللغة، يركض في هذا التشابك كطفل مفعم بالنشاط متقد العقل، وكما يقول أرسطو: «إن منبع الفلسفة هي الدهشة» ووحده ميروين يعرف كيف يقرض الدهشة حتى يتمكن منها بالطريقة التي يحب.