يثير مفهوم الهوية الثقافية عددًا من الأسئلة تسهم وإجاباتها في رصد حركتها من جانب وفي كشف التوجهات المتباينة خلف تعددها من جانب آخر. ويحاول الجاميكي ستيوارت هول من خلال تفكيك كيفية تشكل هذا المفهوم، وعلاقة هذا التشكل بما طرحه حول نشأة التعريف نفسه، وطابع التغير في مرحلة الحداثة المتأخرة، والهدف من طرح سؤال الهويات وعلاقته بنزع تمركز الذات أن يصل إلى كيفية إسهام هذه الأفكار في صياغة تعريفات ومفاهيم متباينة للهوية الثقافية. في ظني أن فض الاشتباك بين التعريفات أو المفاهيم يبدأ من تحليل النسق الثقافي.

الذي نشأت فيه، وبهذا يمكننا تحويل حالة الاشتباك أو رغبة الإقصاء إلى حالة من الحوار الجدلي يفيد من تباين تلك الأنساق في تطوير هذه المفاهيم والتعريفات وتعميق فهمها بشكل يسهم في استخدامها بشكل جاد وعلمي بعيدًا من الرفض المطلق أو القبول دون وعي بها.

ستيوارت هول يكتب في هذا الموضوع بروح المتعاطف كما يصرح بنفسه، فهو الباحث الجاميكي الأصل الذي هاجر إلى إنجلترا ليكمل دراسته في جامعة أُكسفورد ليبدأ رحلة عمله بالدراسات الثقافية وتطوير دراستها عن طريق عمله في مركز الدراسات الثقافية في برمنغهام مفندًا الرأي القائل: «إن الهوية القديمة التي شكلت لفترة طويلة قاعدة لاستقرار الفضاء الاجتماعي، هي الآن في طريقها إلى الزوال، الأمر الذي يستولد هويات جديدة ويجعل الفرد المعاصر بصفته ذاتًا موحدة في حالة من التفتّت مما دفع بعض الدارسين إلى الاستخدام المتكرر لعبارة «أزمة الهوية».

وبعبارة أخرى هناك رأي يرى أن الهويات الحديثة أصبحت منزوعة المركزية أي مقتلعة من مكانها ومشرذمة منذ أواخر القرن العشرين نتيجة لتفتيت المشاهد الاجتماعية والثقافية، والأصل أن هذه المشاهد هي التي منحتنا مواقع ثابتة بوصفنا أفرادًا اجتماعيين، وهذه التبدلات قامت بتحويل هوياتنا الشخصية ومن ثم ضعف إحساسنا بأنفسنا بوصفنا ذوات متحدة. هنا يرى مرسر أن مسألة الهوية حين تكون مطروحة للنقاش فإن هذا يعني أنها مأزومة، وأن هناك افتراضًا مسبقًا عنها بالثبات والاستقرار والاتساق في مقابل تزحزحها الآني والمستمر. الترديد المستمر لعبارة أزمة الهوية دفع ستيوارت هول إلى الوقوف على مناقشات مطولة تتبعت التغيرات الجذرية لمفهوم الهوية الثقافية وكيفية تشكلها، وفي الوقت نفسه دفعه البحث إلى السؤال عما إذا كانت الحداثة نفسها خضعت للتحول.

يميز هول بين ثلاثة مفاهيم متباينة للهوية: أولًا- الذات التنويرية. ثانيًا- الذات السوسيولوجية. ثالثًا- ذات ما بعد الحداثة.

الذات التنويرية: ارتكزت على مفهوم الإنسان بوصفه ذاتًا تمتلك نزعة مركزية بالكامل، وفردًا موحدًا يتمتع بقدرات العقل والوعي والفعل. وتتألف نقطة المركز لديه من لب داخلي ينشأ أولًا مع ولادة الذات ويتجلى مع نموها، في الوقت نفسه تبقى فيه الذات جوهرًا كما هي أي امتدادًا لـ… أو متماهية مع نفسها خلال مرحلة وجود الفرد، أي أن نقطة المركز الأساسية للفرد هي هويته. وأتفق مع هول في رأيه الذي وصف فيه هذا المفهوم أنه فردي للغاية عن الذات وهويتها.

الذات السوسيولوجية: عكست هذه الفكرة التعقيد المتنامي للعالم الحديث، وإدراك أن اللب الداخلي للذات لم يكن مستقلًّا ومكتفيًا بذاته، لكنه تشكل مع آخرين قاموا بالوساطة لنقل القيم والمعاني والرموز أي الثقافة وهنا يأخد المفهوم بعدًا تفاعليًّا، فالهوية تتشكل من خلال التفاعل بين الذات والمجتمع ويتبقى للذات لب داخلي أو جوهر يشكل «الأنا الحقيقية» لكن هذه الأنا تتشكل وتتبدل في حوار مستمر مع العوالم الثقافية في الخارج والهويات التي تقدمها، فالهوية بحسب مفهوم علم الاجتماع تُجسِّر الهُوة القائمة بين الداخل والخارج، بين العوالم الخاصة والعوالم العامة. فنحن نقوم بإسقاط أنفسنا في الواقع على هذه الهويات الثقافية واستبطاننا في

الوقت ذاته المعاني والقيم المرتبطة بها جاعلين منها جزءًا من أنفسنا، فنقوم بعملية موالفة لشعورنا الذاتي مع الأمكنة الموضوعية التي نحتلها في عالمنا الاجتماعي والثقافي، وهو الأمر الذي يجعل الذات والعوالم أكثر اتحادًا وقابلية للتنبؤ بصورة متبادلة.

ذات ما بعد حداثية: يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الأمور الآن تتزحزح، فكما كانت تختبر في السابق على أنها هوية موحدة مستقرة هي الآن مفتتة، لا تتألف من هوية فردية وإنما من هويات عديدة وأحيانًا متناقضة وغير قابلة للتناغم. فأصبحت هناك عملية تَمَاهٍ نسقط من خلالها أنفسنا على هوياتنا الثقافية بشكل أكثر انفتاحًا وتبدلًا وإشكالًا، وتبعًا لهذا الاتجاه تصبح الهوية بتعبير ستيوارت هول «احتفالًا متنقلًا»، أي أن الهوية الثقافية تتعين تاريخيًّا لا بيولوجيًّا، فتتخذ الذات هويات مختلفة باختلاف الأزمنة أي أنها متزحزحة على الدوام، فنحن مواجهون بالعديد من الهويات الممكنة والهاربة الباعثة على الحيرة ويمكن التماهي مع الحد الأدنى منها؛ إذ إننا إذا شعرنا أننا نمتلك هوية موحدة من المهد إلى اللحد نكون أردنا بناء قصة تريحنا لأن ذلك محض استيهام.

ولا يخلو الحديث عن الهوية الثقافية وتعددها وكيفية تشكلها المستمر والدينامي من أثر العولمة والحداثة المتأخرة فيها؛ فالحداثة كما وصفها ستيوارت هول تثوير دائم وإزعاج متواصل لجميع العلاقات الاجتماعية؛ فكل ما ظنناه جامدًا يتحلل وينعكس على المجتمعات الحديثة، أما المجتمعات التقليدية فما زالت ترى الماضي هو وسيلة التعاطي مع الوقت والمجال، فنرى ممارستها الاجتماعية في الغالب مكررة. هنا تخضع الممارسات الاجتماعية للفحص بصورة دائمة، ويجري إصلاحها في ضوء المعلومات الواردة عنها، وهو الأمر الذي يؤكد أن التبديل في تكوينها طبيعي. وسنجد البنية التي اقتُلِعتْ من مكانها أو نُزِعتْ مركزيتها لم يُستبدَل بها مركزية أخرى، بل تعددت مراكز السلطة داخلها، وأصبح العالم غير ما اعتقد علماء الاجتماع كُلًّا موحدًا واضح المعالم ينتج عن تغيير من الداخل كما تتفتح زهرة النرجس من البرعم بحسب قول هول لكنه أصبح منزوع المركزية بصورة ثابتة.

وهناك من يرى أن أمواجًا من التحول الاجتماعي تتصادم افتراضيًّا على مساحة من الكرة الأرضية في الوقت الذي يترابط فيها بعضها مع بعض في مساحات أخرى.

أي أن المجتمعات في الحداثة المتأخرة تتسم بما هو مختلف، تخترقها انقسامات اجتماعية مختلفة وعداوات اجتماعية متباينة تنتج تشكيلة من الهويات المختلفة التي تعود إلى الأفراد، وإذا حدث أن تماسكت هذه المجتمعات في لحظة ما فإن ذلك لا يرجع إلى كونها موحدة وإنما لكون العناصر المختلفة والهويات التي تتألف منها يمكنها أن تتحد في ظروف محددة لكن هذا الاتحاد هو دائمًا جزئي؛ لأن بنية الهوية هنا ستبقى مفتوحة ومن دون ذلك لا وجود للتاريخ بتعبير لاكلو.

فعلى سبيل المثال قام الرئيس بوش 1991م بتعيين كلاريس توماس بدافع توصيل الأغلبية المحافظة إلى المحكمة العليا في الولايات المتحدة، وهو قاض أسود له آراء سياسية محافظة، واعتقد بوش أن الناخبين البيض سيتجهون إلى تأييده لأنه كان محافظًا في مجال التشريع لمصلحة الحقوق المتساوية، وأن الناخبين السود سيدعمون كلاريس لمجرد أنه أسود اللون بتعبير هول، أي أن بوش كان يلعب لعبة الهويات.

وخلال جلسات مجلس الشيوخ التي عُقدت لمناقشة التعيين قامت آنيتا هيل، وهي زميلة توماس ومن السود وأقل منه خبرة عملية، باتهامه بالتحرش فحدثت فضيحة عامة استقطبت المجتمع الأميركي. ولنرى كيف لعبت الهويات دورها في التعامل مع هذا الحدث؛ بعض السود دعموا توماس لدوافع عرقية وبعضهم عارضه لدوافع أخلاقية، وانقسمت السيدات السوداوات وفق تغليب عامل الهوية العرقية أو النسوية، فدعمت بعض النساء البيضاوات المحافظات توماس لمعارضتهن حركة الدفاع عن حقوق المرأة، وعارضه بعض الحقوقيين لرفضهم مسألة مساواة حقوق المرأة مع الرجل، ودخلت اعتبارات طبقية تقييم علاقة توماس العضو في النخبة القضائية مع الموظفة المبتدئة آنيتا هيل. وفي الأغلب ابتعدت المسألة المطروحة من كونه مذنبًا أو بريئًا، ودخل فيها اللعب بالهويات، وهكذا بحسب هول تتكسر المشاهد السياسية في العالم الحديث نتيجة تآكل «الهوية السيدة» وبروز هويات تنتمي إلى أرضيات سياسية جديدة.