«الملحقيات الثقافية» أين هي من الحراك السعودي الجديد؟

«الملحقيات الثقافية»

أين هي من الحراك السعودي الجديد؟

تشهد السعودية في حقبتها الراهنة، تحولات لافتة ليست على المستوى السياسي وحسب، ولكن أيضًا في المجالات الثقافية والاجتماعية والتعليمية والتنموية. وقد شكلت رؤية السعودية 2030 التي أقرها مجلس الوزراء في البلاد بعد أن أشرف ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان على أدق تفاصيلها، خطة شاملة لما يمكن للسعودي أن يحلم به ويتوقعه من ذاته ومجتمعه ودولته وأيضًا محيطه خلال حقبة قصيرة نسبيًّا، إلا أنها طويلة بما يكفي للمؤسسات والهيئات، لتغيير الواقع وتطويره وتجويده.

ولأنني أحد الذين تشرفوا بخدمة مجتمعه ووطنه عبر الملحقيات الثقافية خارج الحدود، فإني أعتقد أن البناء على التجربة القائمة يحتاج إلى مراجعة واسعة، وانتفاضة مفاهيمية جريئة، تقلب المعادلة في تلك الملحقيات من واقع روتيني صرف، إلى جذوة نشاط جديد، يوازي منجزات الداخل، أسوة ببقية دول العالم التي سبقتنا في هذا الميدان، مثل بريطانيا وفرنسا وأميركا والآن الصين. فواقع تلك الملحقيات لا يسير على نهج التجارب المثلى التي أشرنا إليها، على الرغم من أن الموازنات التي تخصصها المملكة لملحقياتها كافية لتحقيق نتائج ملموسة، فمجرد أن تكون إحدى ملحقياتها خلف نشاط أو فكرة أو ندوة، تجد الزخم المدهش، وهو ما يعكس مقام السعودية الكبير بوصفها قبلة المسلمين كافة، ناهيك عن مركزيتها الاقتصادية والسياسية على مستوى المنطقة العربية والعالم.

في كتابه الشهير «القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية» تحدث جوزيف ناي عن دور الثقافة في صناعة القوة الناعمة، وأهمية التبادل المعرفي والعلمي والأكاديمي والثقافي، وكشف عن تأثر كثير ممن زاروا الولايات المتحدة بالأفكار الأميركية. وتشير دراسة أعدها مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية تحت عنوان: «الدبلوماسية الثقافية.. الفريضة الغائبة» إلى وجود نحو 100 معهد في فرنسا، و125 فرعًا لها بأنواع ومهام مختلفة، تقوم جميعها بنشر الثقافة الفرانكفونية التي تتجاوز حدود التعامل باللغة الفرنسية. ولا تزال فرنسا من بين أكثر الدول إنفاقًا على مجال التعاون الثقافي الخارجي. أمّا ألمانيا فقد أسست في عام 1951م معهد جوته، ومقره الرئيس في ميونيخ، ويعمل حاليًّا في نحو 80 بلدًا.

كيف يمكن تفعيل الملحقيات الثقافية؟

إن ما شهدته المملكة في غضون السنوات القليلة الماضية من تطورات مجتمعية تمثل مادة دسمة للملحقيات الثقافية، ومنطلقًا تنطلق منها للتعريف بالسعودية، وما تضمه من إرث مجتمعي كبير، وتاريخ متأصل الجذور، والعمل معًا على تعزيز مكانة المملكة على المستويين الإقليمي والدولي، وإبراز دورها وجهودها في مكافحة الإرهاب، وتعزيز السلم العالمي. والحقائق تظهر أن ملحقياتنا الثقافية بما تملكه من كوادر وما يرصد لها من ميزانيات كبيرة يمكنها القيام بدور أكثر فاعلية من الدور الحالي، وبخاصة بعد أن أصبحت الثقافة أداة قوية لها دور كبير في مستقبل الصراعات التي تشهدها المنطقة ويغلب عليها الطابع الطائفي، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي لمواجهة الأفكار الهدامة والمغلوطة، والتصدي لمساعي الترويج لثقافات وهمية طائفية هابطة تعتمد على الكذب والخداع والتضليل.

وفي الحقيقة أنه لم يعد مقبولًا الاستمرار في عدم تطوير هذه الملحقيات الثقافية، بل يجب الاستفادة من النماذج الناجحة في هذا الشأن. ولم يعد مقبولًا أيضًا أن تبقى تلك الملحقيات مجرد مكاتب لرعاية شؤون الطلاب المبتعثين، والاكتفاء بذلك، على الرغم من أهميته؛ بل لا بد من العمل على تطوير مناشطها بوضع خطط فاعلة تنبثق من رؤية المملكة 2030 والسعي إلى تحقيق أهدافها، وتقديم الصورة الحقيقية للمملكة إلى العالم، والتعريف بثقافتها عبر تقديم برامج وفعاليات مدروسة، تهتم بالعمق الحقيقي لهذه الثقافة، وإرثها التاريخي والحضاري الذي قامت عليه، وكذلك الإسهام في إعادة صياغة الصورة النمطية عن السعودية بما يليق بمكانتها وحجمها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها، وباستحضار ما تشهده بلادنا من طفرة كبيرة على الأصعدة كافة، بحيث تقدم المملكة للعالم على أنها نموذج يحتذى به شرقًا وغربًا، وبخاصة في ظل توافر الإرادة والرعاية والدعم السامي لإنجاح هذا النهج، وتعزيز هذه المكانة في جوانبها الثلاثة التي بُنيت عليها رؤية المملكة للمستقبل 2030 وهي، العمق العربي والإسلامي، والاقتصاد المزدهر، والمجتمع الحيوي.

الحملة الإعلامية الغربية على السعودية.. دوافعها واتجاهاتها

الحملة الإعلامية الغربية على السعودية.. دوافعها واتجاهاتها

ناصر-البراق

ناصر البراق

لكن اللافت أكثر هو طول النفس، في الجانب المتصل بتعبئة الرأي العام الغربي ضد بعض التقاليد العربية، والقيم الإسلامية، حتى غدت أشبه بالمسلّمات لكثرة طرقها لدى شرائح من المسلمين، ناهيك عن الجمهور الغربي المستهدف، فتارة يربطون الإرهاب بغياب الديمقراطية، وتارة يربطونه باللِّحية، وأحيانًا بلبس النقاب، حتى إن شخصية رصينة، مثل الوزير السعودي الراحل غازي القصيبي، أشار ذات مرة إلى أنه «لا يمكن لصحفية غربية أن تغير رأيها في الحجاب، ولو أقسمت أمامها ألف امرأة مسلمة أنها تحجبت طوعًا واختيارًا».

وبينما أتقن عدد كبير من المحللين أدوارهم في الحملات المنظمة، أو المنقوشة في «عقل اللاوعي»، نحو العرب؛ تظهر فئة تدفعها الحماسة، إلى الانكشاف الموضوعي، والانحياز للأهواء، ضدّ الأخلاقيات المهنية التي وضعها صانعو السياسات الإعلامية.

فبُعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، هبّ الإعلام الغربي وشنّ حملته الدعائية على المملكة العربية السعودية والإسلام متمثلًا مقولة صانع الدعاية الأول غوبلز: «اكذب اكذب، حتى يصدقك العالم»، فركز على ربط الدين بالإرهاب، واختار المجتمع المسلم وغذى عقول شبابه بالأفكار التي تربط الدين بالإرهاب والعنف والتخلف الاجتماعي، وتتفق هذه الحملات الغربية على مهاجمة السعودية لمكانتها الدينية بين المسلمين؛ إذ فيها المدينتان المقدستان (مكة والمدينة).

انتقائية وعنف

تنبه بعض الغربيين إلى هذا التجني، فذكر الحائز على جائزة نوبل البديلة في مجال أبحاث السلام إليوهان كالتونغ أن الإعلام الغربي يركز على تغطية الأحداث والأخبار القادمة من الشرق الأوسط بشكل انتقائي، وغير عادل، وأن الأخبار التي نشرتها وسائل الإعلام عن المملكة العربية السعودية تندرج في معظمها تحت أخبار العنف، وقد فعل الغرب ذلك لإضعاف موقف السعودية من الاتفاق النووي الإيراني.

العربي-الخفيولترسيخ فكرة إسلامية الإرهاب، وأن من الإسلام العنف، وقتل الناس، واضطهاد المرأة، وقمع حرية التعبير، وعدم تكافؤ الفرص، وغياب العدالة والمساواة. يتهم الإعلام الغربي المناهج السعودية، وينتقد غياب الديمقراطية، وإن تهاوت أسعار النفط فإن الملوم بين كل الدول المنتجة للنفط هو السعودية، ومن هذه المساعي، اختلاق أحداث وهمية أوحت أن هناك مشاكل سياسية في البيت السعودي وأن هذه المشاكل ستلقي بظلالها على مستقبل الوطن؛ ادعاءات طالما أثبتت المواقف عدم صدقيتها وعدم موضوعيتها.

وفي الإطار نفسه يصور الإعلام الأميركي الشخصية السعودية بأنها شخصية متطرفة وإرهابية، ويضرب المثل للجمهور الغربي بشخصية أسامة بن لادن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وترسيخًا لهذه الحملة الإعلامية والمؤطرة بالدعاية المغرضة فقد ظلت الإدارة الأميركية تلاحق ابن لادن إعلاميًّا لا حربًا على الإرهاب، بل إشارة إلى أن أسامة بن لادن رجل سعودي، ذكر هذه الحقيقة مروان بشارة في كتابه العربي الخفي صفحة 155، قائلًا: «إن شعوب المنطقة خيرت بين واشنطن وبين من تنتقيه هي لدور الشرير كل عشر سنوات تقريبًا. في ستينيات القرن الماضي كان عبدالناصر المصري، وفي أوائل السبعينيات كان عرفات الفلسطيني، وفي أوائل الثمانينيات كان آية الله الإيراني، وفي التسعينيات تلاه صدام حسين، ثم زعيم القاعدة ابن لادن في 2001م».

غازي-القصيبي

غازي القصيبي

ونقدًا لهذا النهج، يشير القصيبي مرة أخرى في كتابه «حملة إعلامية» إلى مقال في صحيفة وول ستريت جورنال بتاريخ 10 أكتوبر 2001م، يتحدث عن الوهابية، ويصفها بالتطرف، وإباحة العنف والقتل. ولم يكتفِ الغرب بإطلاق تهمة التطرف على (الوهابية)، بل إنه نسب منشأها إلى السعودية، وهو لا يعني بذلك غير الإسلام.

حملة أكثر عدوانية

وفي الجانب الإستراتيجي، تأخذ الحملات ضد السعودية جانبًا أكثر عدوانية، في مثل إطلاقها لعاصفة الحزم، ومقاومتها المد الفارسي على البلدان العربية في سوريا واليمن والعراق، وفي تناول تفاصيل ذلك، دائمًا ما يبدو الانحياز ضد السعودية مكشوفًا، خصوصًا منذ إعلان الغرب انخراطه في الاتفاق النووي مع طهران.

حتى إن محللين اتجهوا إلى موضوعات، تثير الاهتمام الغربي أكثر، فشككوا ليس في مصداقية المواقف السعودية التي تستند إلى قرارات دولية وإقليمية، وإنما تحاول التشكيك في قدرتها على إحراز تقدم، أو أنها ستواجه مخاطر نتيجة تلك المواقف، مثل زعم صحيفة التايمز أن السعودية في خطر بسبب تدني أسعار البترول نتيجة الإنفاق الزائد، مما يهدد مشاريع الإسكان والاستقرار الاجتماعي.

عادل-الجبير

عادل الجبير

ومثله ما نقلته صحيفة «ليزيكو» Les éco، متى «ستفلس المملكة العربية السعودية» تزعم فيه أنه بحلول عام 2020م ستنفد الاحتياطيات المالية للمملكة العربية السعودية؛ بسبب انخفاض أسعار النفط وكثرة الإنفاق العسكري.

ويلاحظ الباحثون في هذا المجال أن التعاطي السعودي مع هذه التقارير والحملات، تحسن إلى حد بعيد عما كان عليه في وقت سابق، ففي الأزمات الأخيرة التي صاحبها تصعيد إعلامي خطر، كان صانع القرار السعودي ناجعًا في إيصال رسائل كافية لإيضاح الجانب المظلم في زاوية الخصم.

وبين الأمثلة على ذلك، هو الأداء السياسي، والسجال الدبلوماسي الذي أثار إعجاب السعوديين والعرب، من طرف وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، في مثل نفيه مزاعم أن للإسلام علاقة بـ«داعش»، عبر جمل قصيرة مفحمة، تداول السعوديون والعرب عبر «تويتر» مقطعها القصير، والذي وصفه بعض المحللين بـ«الجواب الفكري المغلف بالمهارة الدبلوماسية». وفي ذلك الجواب لفت إلى أن كثيرًا من العلوم التي يستند إليها الأروبيون في أبحاثهم إنما نقلت إليهم من مفكرين ومترجمين وعلماء مسلمين سابقين، فشخصية فلسفية عريقة مثل أرسطو، أكثر من عرّف الغرب به، ونقل معارفه فلاسفة مسلمون. وهكذا.

المعلمي

المعلمي

ومثل ذلك فعل المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة عبدالله بن يحيى المعلمي، في سجالاته الشهيرة مع بشار الجعفري، الذي أخذ أبعادًا ثقافية ومناكفات أدبية، تجاوزت السياسية وأرقام ضحايا النظام السوري إلى الشعر وأوزانه، ما لفت أنظار المتابعين، إلى نهج أعمق في تحدي الصعاب من هذا القبيل.

وهكذا أيضًا، صنع ولي ولي العهد السعودي بعد مقابلاته الشهيرة مع بلومبيرغ، والتي توّجها من بعد بمقابلة تلفزيونية مع قناة العربية، يوم وافق مجلس الوزراء على رؤية «السعودية 2030م» التي كان مهندسها، فجاءت إجاباته كافية لابتلاع كثير من ألسنة التقارير المشككة في قدرة البلاد على الصمود أمام تهاوي أسعار النفط، ليقول بالأرقام والمنطق: إن النفط سلعة مهمة، لكن الدولة ليست أسيرة لتقلباته.

إعلام سعودي دون المستوى

غير أن الذي يلاحظه ويناقشه الإعلاميون والأكاديميون السعوديون في المجالس الخاصة هو أن التعاطي الإعلامي السعودي مع هذه الأزمات، وقضايا إستراتيجية على مستوى يتجاوز الإقليم أحيانًا إلى الأمة والعالم، لا يزال دون مستوى الحدث، خصوصًا من الجانب الإستراتيجي، وعمق التداول، وإشباع الأفكار الجوهرية، بالنقاش الجاذب للأطراف المهتمة، سواء عبر النقد أو التحليل، أو بالسجال وصناعة مواقف إيجابية لا تتوقف عند رد الفعل، بل الآخرون من يردد صداها.

وبين النماذج المشرقة على هذا الصعيد، تفاعل السفير السعودي في العراق ثامر السبهان، مع الشأن العراقي، فبات منفتح الأفق، مساجلًا وموضحًا، ومشاركًا في كل القضايا، التي كانت من قبل محتكرة من جهات أجنبية، حتى انتزع ما يشبه الإقرار بأن الشأن العراقي هو في المقام الأول عربي، يعنى به العرب قبل غيرهم.

لكن من حسن حظ السعوديين أن الإعلام لم يعد رسميًّا فقط، أو متوقفًا على صحف ومجلات بعينها، وقنوات مهما تعددت، تظل محدودة، بل توسع ليشمل كل صاحب رأي أو كلمة، مهما كانت صفته، بواسطة منصات «الإعلام الجديد». وهذا يجعل الجميع مشاركًا في مسؤولية التفاعل مع قضايا الوطن، وبوسع الكل الإسهام فيها، بما يصنع رأيًا أو موقفًا، يوضع في الحسبان. إلا أن المسؤولية الكبرى تظل على عاتق المثقفين وصناع الرأي المؤثرين، في تأطير تلك الوسائل، ودفعها نحو قنوات التأثير، والقضايا الكبرى، عوضًا عن الهويات الصغرى، وتفاصيل التفاصيل الموغلة في الذاتية.

الجعفري

الجعفري