دودي

دودي

(1)

  هل تدري لماذا أحببتك؟

  لا..

  طبعًا ليس من السهل أن تعرف.

  كيف لي أن أعرف.

  هل تودُّ أن أخبرك لماذا؟

  نعم.. لِم لا؟ أخبريني.

  لأنك تشبه حبيبي.

  نعم؟ أشبه حبيبك؟ لم أفهم.

  تشبهه شبهًا كبيرًا كأنكما توأمان.

  هل لديك حبيب آخر؟

  نعم..

  أوه.. يا له من اعتراف. ما حاجتك لي إذن؟

وقد همّ الرجل بالانصراف ممتقع الوجه، فنهضت عن مقعدها في المقهى حيث يجلسان واستوقفته معترضة طريقه بمدِّ ذراعها اليمنى نحوه، قائلة:

  أين تذهب؟ حاجتي لك كبيرة.

سمع العبارة، توقف، وعاد للجلوس ببطء:

  ما زلت تحتفظين به حبيبك ذاك، تحتفظين بحبّك له؟

  طبعًا.. لن أتخلى عن دودي.

  دودي. يا للاسم المهيب. ابقي مع دودي، سأذهب وشأني.

  لن تذهب. اسمه دودي.لا تكن غيورًا.

  وهل تسمّين هذه غيرة؟

  نعم إنها غيرة لا لزوم لها. إنك تشبهه. إنه عريض الجسم مثلك. ولديه ابتسامتك الخجلى اللطيفة.

  أنا محظوظ إذن.

  هل ترغب في رؤيته. هل تود التعرف إليه؟

  لا.. لماذا أراه، حتى أتيقن أني أشبهه؟

  كنت سأقول هذا. أنت ذكي. أنت نسخة عنه.

  ما حاجتك لي ما دام لديك دودي؟

  دودي..

  نعم دودي.. أنعِم به.

  إنه الحب الأول في حياتي.

  والحب الأخير كما يبدو.

  نعم والأخير. أنت فعلًا ذكي.. آية في الذكاء.

  لكن ليس بذكائه.. أو بذكائك أنتِ.

  دع عنك الغيرة. غريب ألَّا تبدو السعادة عليك. إنك تكتم شعورك بالسعادة.

  هل تريدينني أن أرفل في السعادة، وقلبك منشغل بشخص آخر؟

  يجب أن تظهر عليك السعادة؛ لأني وقعت في حبك.

  الدنيا لا تسعني. أكاد أطير من الفرح.

  لا داعي للطيران. ارقص فقط، هيا ارقص.

  لا أجيد الرقص.

  دودي يرقص. تكفي حركة واحدة من يدي حتى يتراقص كل شيء فيه. مع ذلك فسوف أسامحك الآن.

(2)

السيدة هاء التي وقعت في حب السيد قاف امرأة متزنة ومتوازنة، وناجحة في حياتها فهي سيدة أعمال. وقد نشأت في أسرة تتأرجح بين متوسطة وميسورة، وتحتفظ لعائلتها وأبيها بالذات بأطيب الذكريات. فهي كبيرة أشقائها الخمسة، وكانت بمنزلة أب وأم لهؤلاء رغم أن الأبوين كانا على قيد الحياة. فهي عنيدة تدلل نفسها إن لم تجد دلالًا كافيًا وكانت تجده. وقد انفصلت عن زوجها قبل ثلاث سنوات؛ لأنه يتدخل كثيرًا في شؤونها.

أما سعيد الحظ قاف فهو شخص محبوب، لطيف المعشر وحسن النيّة ويحتفظ ببعض طبائع أبناء الريف، تسير حياته سيرًا حسنًا. فهو موظف عام بدرجة جيدة لم يبلغ سن التقاعد، ويزاول من بُعد بعض فنون التجارة.

وقد جمعتهما مصادفات الدنيا.

(3)

بعد ذلك اللقاء في المقهى، لم تعد السيدة هاء تذكر حبيبها الأول دودي لحبيبها الأخير قاف. لقد نسيت ببساطة الموضوع. لكنْ قاف لم ينسه. وفاتحها متسائلًا: أين دودي، لم لا تصحبينه معك كي أتعرف إليه؟

وقد استمعت إليه، قائلة له: كنت أمزح.

لا لم تكوني تمزحين. أجابها. دعيني أتعرف إليه.

وقد غمرها الضحك: تتعرف إليه؟ دعك من هذا الموضوع.

لكن ارتياب السيد قاف زاد ولم يتراجع. متسائلًا: إن كان دودي شخصًا أجنبيًّا، فاسمه يوحي بذلك.

لا جنسية له. قالت وهي تحاول أن تكتم ضحكتها.

إذن هو غجري؟

يمكنك احتسابه كذلك.

(4)

هكذا لم تقل له في اللقاء الثاني إن دودي هو اسم الدب الدمية الذي تحتفظ به منذ مراهقتها، لعلها الرغبة في امتحانه وسبر أغواره، والتسلية العابرة به. أما هو وبعد أن أخذت منه البلبلة كل مأخذ، فقد فاتحها في اللقاء الثالث بينهما: إنها تشبه بعض الشبه نايا. ولما سألته عمن تكون نايا هذه، فقد أجابها: إنها مَنْ جعلته يُقلع وهو يقترب من سن الأربعين عن فكرة العزوبية، وأنه يستعد للارتباط قريبًا بها.

ــ لكن دودي دب.. دمية مراهقتي.

قالت له كأنما تستغيث به.

سمعها كاتمًا بنجاح شعوره بالمفاجأة، ثم شعوره بالارتياح الغامر فقد ساورته الظنون أن شريكه في الحظوة العاطفية لديها لا يعدو أن يكون -حاشاكم الله- كلبًا نبّاحًا يدُبّ على أربع، وأخذ ينظر بإمعان إلى قامته الرَّبْعَة الممتلئة، متشككًا أن عيوبًا تكتنف هيئته، ثم رفع رأسه وقد أسعفته البديهة وهذه قلَّما تُسعفه، وقال:

دودي دب؟ ونايا هي أخت الناي. دعي دودي يرقص على نغماتها الشجية، وشاركيه الرقص إن أحببت.