محمد اليحيائي – كاتب عماني

شكلت الجوائز الثقافية في العالم العربي ظاهرة خلال العقود الثلاثة الماضية، وبدا أن ثمة قدرًا من التنافس الإيجابي بين المؤسسات العربية، الحكومية والخاصة، على إطلاق جوائز تُعنى بالإنتاج الثقافي، والإبداع الأدبي والفني، وتسعى إلى دعم وتشجيع المبدعين في حقول الثقافة والمعرفة والآداب، والتعريف بهم وبإنتاجهم، على مستوى حركتي النشر والقراءة في العالم العربي، وعلى مستوى ترجمة الإنتاج الأدبي العربي إلى لغات عالمية، حتى يكاد لا يخلو بلد عربي اليوم من جائزة أو أكثر تُمنح سنويًّا.

دول الخليج العربية لديها تاريخُها في إنشاء الجوائز التي تعنى بجوانب الإبداع المختلفة، بل إن هذه الدول تحتضن بعضًا من بين أقدم الجوائز الثقافية، وأكثرها حضورًا وتأثيرًا، وأكبرها حجمًا من حيث القيمة المادية؛ مثل: جائزة الملك فيصل العالمية التي أُنشئت عام ١٩٧٩م، وجائزة الكويت للتقدم العلمي التي أنشئت أيضًا عام ١٩٧٩م، وجائزة سلطان العويس (١٩٨٧م)، وجائزة الشيخ زايد للكتاب (2006م)، والجائزة العالمية للرواية العربية التي تمولها هيئة السياحة والثقافة في أبوظبي (٢٠٠٧م)، وجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب (٢٠١١م). هذا إلى جوار جوائز أخرى محلية، مثل تلك التي تمنحها جمعيات واتحادات الكتاب والجامعات.

غير أن الخليج في جوائزه (مثلما هو في مكونه الثقافي والتاريخي والحضاري) ليس واحدًا، فهذه المبادرات، على أهميتها، وأهمية دورها وأثرها، بها بعض الاختلافات، وتعتورها بعض الإخفاقات التي لم تتمكن المؤسسات والهيئات التي تُشرف عليها من معالجتها أو تجاوزها، على الأقل حتى الآن.

يُمكن تلخيص هذه الاختلافات والإخفاقات في أمرين: الأول- أن بعض هذه الجوائز لم تتجه إلى اكتشاف وتقديم، أو تكريس أسماء جديدة، أو أسماء لم تكن معروفة ومُكرسة في حقول الإبداع الثقافي (الأدبي والفني) المختلفة، باستثناء الجائزة العالمية للرواية العربية التي قدمت في السنوات الأخيرة أسماءً لم تكن معروفة ومُكرسة عربيًّا مثل الروائيين؛ الكويتي سعود السنعوسي، والعراقي أحمد السعداوي. على العكس من ذلك سعت هذه الجوائز، وبعضها لا يزال، إلى تكريس المُكرس من الأسماء بهدف إيجاد شرعية للجائزة من خلال المكانة الأدبية لمن تَمنح الجائزةُ نفسها لهم.

والثاني: هو عدم قدرة هذه الجوائز، أو الجهات والمؤسسات التي ترعاها، على التسامي فوق الخلافات بين الدول. فحتى الجوائز التي تصدر عن مؤسسات أهلية، أو مدنية، أو التي تمولها هيئات خيرية أو عوائل تجارية، لم تتمكن من البقاء في منطقتها الثقافية بما تعنيه من الوقوف على الحياد، وتجنب الاصطفاف وتجاوز الخلافات أو حتى المواقف السياسية (وبعض تلك المواقف تسقط، بوعي من القائمين على الجوائز أو من دونه، في الرطانة الوطنية) فيبدو الثقافي والإبداعي، مع هذه الرطانة، هامشيًّا أو تفصيلًا صغيرًا.

ولعلنا، في هذا السياق، نتذكر تلك الضجة التي أثارتها مواقف الشاعر العراقي سعدي يوسف من سياسة دولة الإمارات، بُعيد الغزو الأميركي للعراق في عام ٢٠٠٣م – وهي مواقف، قد يبدو رفضها وانتقادها مشروعًا. وكان سعدي يوسف قد مُنح عام ١٩٩٠م جائزة سلطان العويس في مجال الشعر. وإذا كانت مواقف الشاعر العراقي بدت مُستهجنة ومرفوضة، وكاتب هذه السطور مِن بين مَن أعلن رفضه لما كتبه سعدي يوسف حينها، فإن موقف الجائزة منها كشف ضيق المسافة بين الخاص والرسمي في هذه المنطقة، عندما قررت مؤسسة سلطان العويس الثقافية (وهي مؤسسة أهلية لا حكومية تحمل اسم الشاعر ورجل الأعمال الإماراتي الراحل سلطان العويس) سحب الجائزة من الشاعر العراقي التي كان مضى على منحها إياه أكثر من ثلاثة عشر عامًا، وشطب اسمه من قائمة الحاصلين عليها، وهو موقف سياسي لجائزة ثقافية، يتعارض من حيث المبدأ مع بيان منح الشاعر للجائزة «تقديرًا لريادته الشعرية ولدوره الإبداعي في النهوض بالقصيدة العربية الحديثة». فريادة سعدي يوسف الشعرية، ودوره الإبداعي باقيان، بصرف النظر عن مواقفه السياسية.

كما أن خلافات أهل السياسة لا تزال تلاحق، وإن بصورة أقل رطانة وتشنجًا، الجائزة العالمية للرواية العربية؛ التي تُعرف خطأً بـ«البوكر العربية»، كل عام تقريبًا، فمرة تُتَّهم بالوقوف ضد سوريا وضد الروائيين السوريين بسبب عدم منحها لأي روائي سوري، مُسايرة – حسب المنتقدين – لمواقف الجهة الممولة للجائزة، ومرة تتهم بالميل إلى بلدان الخليج مسايرة للموقف ذاته، وتارة في إعلانها موقفًا، صُنّف سياسيًّا حيال «الثورة التونسية» بمنحها عام ٢٠١٥م لشكري المبخوت عن روايته الأولى «الطلياني» التي كُتبت حولها ملاحظات نقدية وجيهة. ورغم أن اختلاط وتداخل السياسي بالثقافي في الجوائز الخليجية أمر يصعب تجنبه لطبيعة الدولة الحاضنة لهذه الجوائز، حتى تلك التي تصدر عن مؤسسات غير حكومية؛ لأن معظم هذه الدول لا يؤمن بالاختلاف والتعدد، ويضيق فضاؤه السياسي إلا على من يتفق ويتوافق مع سياسة الدولة ومواقفها وعلاقاتها، بصرف النظر عن صواب تلك المواقف أو خطئها من وجهة النظر الثقافية، ومن ثم فإن مبدأ استقلالية المؤسسة التي تمنح الجائزة مكفول طالما بقيت حركته في مدار الدولة وعلى ذات ألوانها. رغم ذلك، فإن هذه الجوائز غير معفية من محاولة العمل على خلق هامش ضروري من استقلالية قراراتها ومواقفها.

جوائز غير ملتزمة

غير أن الإخفاق الأول هو ما يجدر مناقشته أكثر؛ لأن هذه الجوائز وحدها تتحمل المسؤولية فيه، أو كان بمقدورها تجنب الوقوع فيه، ووحدها قادرة على معالجته، ذلك أن معظم هذه الجوائز لم تُخلص للمبدأ الذي تدّعي التزامه؛ وهو أن قراراتها في اختيار أسماء الفائزين أو الممنوحين الجائزة، تخضع فقط للقواعد الفنية والعلمية الحاكمة، أو تلك التي يتضمنها دستور الجائزة، ولا يتدخل في القرار، لا مجالس أمناء ولا مجالس إدارة ولا الهيئات الممولة، ولا الميول والذائقة الخاصة لأعضاء لجان التحكيم. توجد استثناءات لجوائز خليجية ذات ضوابط وتقاليد مؤسسية راسخة مثل: جائزة الكويت للتقدم العلمي، وجائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب. وهذه الأخيرة قد تقع في المُشكلة نفسها التي تعانيها جوائز أخرى، ما لم يُسارع إلى مأسستها، على نحو علمي ومهني رصين وصارم، وتدعيم مجلس أمنائها ومنحه الاستقلالية اللازمة عن إدارة المؤسسة الراعية للجائزة.

لقد بدا أن بعض هذه الجوائز «الخليجية» كأنها تعاني عقدة المركز والأطراف، عبر ما بدا من انشغالها في البحث عن شرعية وعن وجود لها قائم على مركزية الأسماء الأدبية والثقافية، لا على مبدأ الإبداع ومعايير الاختيار. ونبقى في المثالين السابقين –للتمثيل فحسب– فجائزة سلطان العويس التي انطلقت عام ١٩٨٧م لم تهدف، منذ انطلاقتها إلى البحث عن أسماء مبدعين غير معروفة وغير مُكرسة، بل سعت، على العكس من ذلك، إلى «منح نفسها» للمكرس والمشهور من الأسماء، فكان ممن مُنحت لهم شعراء وكتاب كبار مُكرسون، ليس على المستوى العربي فقط، لكن على المستوى العالمي أيضًا؛ مثل: فدوى طوقان، وسعدي يوسف، وعبدالله البردوني، ومحمد الماغوط، وسعد الله ونوس، وصنع الله إبراهيم، وحنا مينا، وزكي نجيب محمود وغيرهم من الأسماء الكبيرة التي لم تُضِف لها جائزة العويس شيئًا سوى المبلغ المالي. وعندما نعود إلى تأمل مرحلة النصف الثاني من الثمانينيات حتى النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، ونقارن الحضور الكبير لجائزة العويس بأيامنا هذه، حيث لا يكاد أحد يأتي على ذكرها إلا في مناسبات قليلة، نستطيع تبين الخطأ الذي وقعت فيه الجائزة في محاولة تأسيس الشرعية والحضور والشهرة على أسماء متحققة، عوضًا عن خلق شرعيتها عبر اكتشاف وتكريس أسماء جديدة، سيرتبط تاريخ بروزها باسم الجائزة وتاريخها. الأمر ذاته صاحب الجائزة العالمية للرواية العربية، خصوصًا في دورتيها الأولى والثانية؛ ٢٠٠٨م بمنحها الروائي المصري المعروف بهاء طاهر، و٢٠٠٩م للمصري أيضًا يوسف زيدان. (جائزة كتارا تبدو أنها تعاني المشكلة نفسها، حيث مُنحت في دورتيها الأولى والثانية ٢٠١٦- ٢٠١٧م لروائيين مُكرسين أمثال واسيني الأعرج، وإبراهيم عبدالمجيد، وإبراهيم نصر الله، وإلياس خوري).

العطف على الآخر العربي

إن شعور بعض دول الخليج، أو النخب الثقافية في هذه الدول، خصوصًا تلك التي في مواقع القرار في المؤسسات الراعية لهذه الجوائز، بما يُمكن وصفه «الالتزام القومي الأخلاقي» عبر سعيها إلى «تكريم» الأسماء الإبداعية العربية ماديًّا، هو شعور يحمل ضمنيًّا، في لا وعي هذه النخب على الأغلب، معنيين مُتلازمين: معنى النقص الذاتي لدى هذه النخب من جهة، ومعنى العطف على الآخر العربي، الذي حقق مكانته ولم يعد ينقصه سوى المال من جهة ثانية، وهي حالة تتطلب بحثًا في «السوسيوثقافي» ليس محله هذا المقال.

مؤخرًا دُعيت، ضمن مجموعة من الكتاب والمشتغلين والمهتمين بالشأن الثقافي في عُمان، إلى اجتماع «عصف ذهني» في مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم في العاصمة مسقط. كان هدف إدارة المركز الاستماع إلى آراء المدعوين في البرامج والأنشطة التي ينفذها، ورؤيتهم لتطوير هذه البرامج والأنشطة أو تحسينها، وهي كثيرة ومتنوعة، من ضمنها جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب التي تُمنح سنويًّا في حقول معرفية وإبداعية مختلفة. وقد أثرتُ في الاجتماع الملاحظة نفسها التي لدي عن الجوائز الخليجية الأخرى، متمنّيًا من جائزة السلطان قابوس حديثة السن (أطلقت عام ٢٠١١م) ألا تقع فيما وقعت فيه تلك الجوائز، وأن تحقق شرعيتها وتاريخيتها في اكتشافها وتكريسها وتعريفها بأسماء جديدة، عُمانية وعربية، مع المحافظة على معايير التحكيم العلمية التي تعتمدها أمانة الجائزة، وأن تتجاوز هذه الجائزة التقسيم غير الثقافي وغير المنهجي، في تخصيص دورة للعمانيين وحدهم، ودورة مفتوحة للجميع، العمانيين والعرب. وهو تقسيم قد يُفهم منه أن العمانيين غير قادرين على التنافس مع غيرهم، وهذا غير صحيح، وغير مقبول من الناحية المنهجية لعمل أي جائزة، التي إما أن تكون محلية فقط أو تكون غير محلية. غير أن هذا لا يتحقق إلا إذا كان للجائزة مجلس أمناء، أو هيئة إشراف علمية مُحايدة، تتمتع بالاستقلال في اتخاذ قراراتها، بما في ذلك قرار اختيار أعضاء لجان التحكيم.

لعل ما تحتاجه الجوائز الثقافية في هذه المنطقة، خصوصًا هذه التي تنفتح على الأفق العربي والإنساني، هو روح المؤسسة وتقاليدها، التي تضمن لها الاستقلال والرسوخ والتطور والاستمرار، وأن تتحول إلى مؤسسات أو صناديق «وقف» تضمن بها لنفسها الاستقلال المالي، مقدمة لتحقيق هامش استقلالها عن السياسة واصطفافاتها وعصبياتها الضارة بأي عمل ثقافي.

Share This