محمد ملص – مخرج سينمائي سوري

قيس الزبيدي شخصية سينمائية بارزة، ساهمت بفاعلية في العمل على تأسيس ونشوء السينما العربية الجديدة، من خلال مجمل الأصعدة الفنية التي تقوم عليها هذه السينما، وفي مختلف المجالات الخاصة بها، وهو ما يدفعني بشعور عميق من التقدير، للكتابة عنه وعن تجربتي في العمل معه على المونتاج. النصوص التي كتبتها في «اليوميات» الخاصة بي، والحوار بيني وبين قيس، والأفلام السينمائية التي تشاركنا في تحقيقها، جرت على مسار أزمنة متعددة ومتباعدة من تجربتنا السينمائية الطويلة.

1996م

صبري مدلل

لإنجاز الفلم التسجيلي «حلب مقامات لمسرة» عن المغني الحلبي صبري مدلل، بعد تصويره في حلب، أقدمت أنا وقيس الزبيدي على مغامرة سينمائية غريبة وبخاصة لمونتاج هذا الفلم. كان مخطط إنتاج هذا الفلم، أن يجري المونتاج في باريس، لكن المبلغ المتبقي لديّ لعمليات ما بعد التصوير، كان لا يكفي ولا يسمح لي أن أنفذ هذه العمليات الفنية في باريس. كان المونتاج هو الجانب الأهم بالنسبة لي لبناء الفلم. وبالتالي يجب علي أن أعطي لنفسي الزمن الكافي لتنفيذه. ولتحقيق ذلك في باريس كان سيتعدى المبلغ الذي لدي. فلجأت إلى فكرة تساعدني على تنفيذ ذلك بتروٍّ وتأمل كافيين، من دون الشعور بالقلق للإمكانيات المالية الضيقة. فكلمت صديقي قيسًا في برلين، واقترحت عليه أن نقوم بعمل المونتاج كــ«ماكييت» في بيته، وبعد عمل هذا الماكييت أعود لتنفيذه في باريس. وأعلمت قيسًا أننا سنضطر للعيش والعمل في بيته، وأن هذا العمل سيجري على شرائط «VHS » مزودة بترقيم زمني، وأننا لن نحتاج إلا للتلفزيون وإلى جهاز عرض VHS فقط.

حملت تسجيلات المواد المصورة للفلم على أشرطة VHS وسافرت إلى برلين.

وصلت إلى برلين في هذه المرة، فلم يكن «جدار برلين» موجودًا، لا في وجهه الشرقي، ولا الغربي، وبرلين غدت «برلين» فقط. وكان قيس قد رحل عن بيته في الشارع المطل على مكتبة بابلو نيرودا، وأصبح يعيش في بيت في الأقاصي البعيدة لما كان في برلين الشرقية. وبالتالي لم يعد يعيش في بيت تملكه الدولة، ويدفع إيجاره الشهري. بل في بيت سيكون ملكه بعد خمس وعشرين سنة، ويدفع أقساط ثمنه نحو ثلاثين في المئة من دخله الشهري. حين وصلنا إلى هذا الحي البعيد، بدا لا يزال يحتفظ بالتشابه المعماري للأبنية الشرقية، لكن ثمة أشياء عديدة في ملامحه قد تغيرت، فجعلته يبدو «غربيًّا». لم يكن ذلك في أبنيته فقط، بل في ظهور المجمعات السريعة للخدمات المحدثة، كان أهمها بالنسبة لي «المول» القريب من البيت، الذي سنجد فيه كل ما سنحتاجه خلال عيشنا المشترك في هذه المغامرة السينمائية.

في أثناء وجودنا معًا، والعيش والعمل في بيت واحد، كان عليَّ -كالعادة- أن أكتب يوميات هذه التجربة.

وفعلتها فعلًا!

6 / 3 / 1996م

نعيش نحن الاثنان في هذا البيت البرليني، وفق الاتفاق بأن نسجن أنفسنا، للعمل يوميًّا. فلا نخرج إلا لشراء الحاجات المعيشية من «السوبر ماركت» القريب، متجنبين قراءة الصحف ومشاهدة التلفزيون، ومحاولة الاختصار باستعمال الهاتف. تجربة هذا التماسّ والمعايشة مع قيس من النوم إلى الاستيقاظ، والحوار والأفعال اليومية، ستوفر لي مادة لأطل على هذه الشخصية من جديد، والتقاط مكوناتها الجوهرية كمعطى بذاته، وليس كما يقدمها هو لك.

كيف ينام؟ أين؟

أين يختار مكان جلوسه، كيف يستقبل مكالماته التليفونية، وكيف يتجول في بيته؟ ماذا يبربر، وبأي الألحان يترنم؟ كيف يستعيد الصور أو يتذكر؟ ومن؟.. ما الأشياء المبعثرة على طاولته؟

لا أعرف لماذا تبدو لي طاولة المثقف أو السينمائي مفتاحًا ما، لشخصيته! لماذا يضع قيس الساعة المنبهة على الطاولة، ويقوم بتدوير صفحتها أينما اتجه في مختلف أرجاء البيت؟ كيف يتعلق بكتاب؟ ولماذا؟ لماذا تعلق في أثناء وجودنا معًا، بكتيِّب عن الفاكس نهارًا كاملًا، وأنا على نار، مغتاظًا من هذا التلهي وضياع الوقت. لماذا يسعى دائمًا لأن يضع الفاكس على أهبة الاستعداد لاستقبال الرسائل، لكن الفاكس لا يرن. وكيف كان يستخدم «السيشوار» لتبريده علَّه يرن.

الحمَّام تتناثر فيه الأنواع المختلفة من معاجين الأسنان، والكريمات والدهون الأخرى، وأنواع لا حدود لها من المنظفات المختلفة والصالحة لكل أنواع وأشكال التنظيف… وبدا لي أن كل شيء في الحمام له ذاكرة ما.

(كان كل شيء يذكرني طبعًا، بأيام العز التي عاشها، أيام ألمانيا الديمقراطية، التي عرفته خلالها سابقًا في تعاوننا المشترك بمونتاج فلم المنام).

حتى هو نفسه كان ثمة شيء مختلف عما كانه. ربما لا تزال تلك الألفة، لكن الألق غدا موجة تظهر وتختفي، أما الإشراق فقد اختفى! ترى العمر؟ لقد نحل قليلًا، وتساقط الكثير من شعر رأسه. وبدأ الباقي منه يفقد شيئًا من لونه. لكنه لا يزال طويلا وحيًّا.

من الواضح أيضًا شعوره بشيء من الوحشة، والإحساس بالوحدة. يبدو أن الكثير من الأصدقاء من النساء والرجال، قد انكفأ أو رحل أو مات، وبخاصة الأصدقاء العراقيون الذين فيما يبدو قد عادوا إلى العراق، أو تناثروا في أماكن أخرى من المهاجر الأوربية.

لم يبقَ لقيس إلا أن يحتفظ بدفاتر أرقام التليفونات القديمة المتناثرة في الزوايا. فتلك الرفاهية العالية التي كان يعيشها قد خبت. ربما هذا ما دفعني إلى أن أصفه اليوم بأنه أشبه بــ«الإمبراطور المخلوع». لكنه هذه المرة بدا لي إنسانًا مفصحًا عن طيبته بوضوح أكبر، أقل عقلانية، عاطفيًّا، واكتشفت أن ثمة طفولية خفية، لم أستطع أن أدرك: هل كانت من قبلُ، أم ظهرت الآن؟!

أحسست أن هذه التفاصيل المتناثرة في أنحاء البيت، كم هي قادرة على أن تروي «تاريخ» الإنسان، وفي الوقت ذاته أن تستعيد سمات حقبة زمنية، وعصر آفل. كل ما في هذا البيت مادة للتأمل، ولدي ما يكفي من الوقت؛ لإعادة اكتشاف شخصية في خضم الكهولة في عصر الاشتراكية الراحل.

(التواليت المصنوع بقوة وقد «عوجه» الزمن. المجلى الرصين والمتين ما يزال يقاوم دون أي تغير فيه. في خزانة المطبخ بقايا من صحون مختلفة بألوانها وزخارفها. كأن العصر الاشتراكي يختبئ في زاوية من زواياها، ويرفض هجرها. الفناجين العتيقة التي فقدت صحونها وكفت عن البحث عنها. أما الجديد فهو الأنواع اللانهائية من أكياس النايلو المختلفة الشعارات والإعلانات التي تعلن عن عصرها).

قبل أن نبدأ بالعمل، أخذ يبوح لي عن نفسه، بانفتاح نادر، ويصارحني بأنه يشعر، بما كنت قد لمسته في نظرتي إليه، وتصوري للبنية الداخلية لشخصيته، التي تشكلت نتيجة لممارسته المونتاج طويلًا، فأخذت هي ترسم عيشه وتفكيره، وتعامله مع الأشياء، ومع الناس والعالم الذي يعيشه.

هذا المنظور المأساوي ذو المذاق السينمائي، بدا لي كأننا نكتب لفلم لا مونتاج له. فقال بألم: «لقد أخذني المونتاج من حلمي الروائي… لم أعد أرى الأشياء، إلا من خلال أفلام الآخرين التي أشتغل بها!

إن عالمي الداخلي يمنتج هذه الرؤى، ويصنع منها بطاقات، ثم يرتبها ويلصقها بجوار شاشة النفس، ثم أعيد ترتيبها لأبني عالمي الداخلي من خلالها وأرمي بالكثير في سلال النسيان».

أحس بتلك اللوعة في داخله. وأتساءل مع نفسي: هل هو المنفى؟ أم الحرمان من العودة إلى الذات! أضاف: «أنت تعبر عن نفسك مباشرة!

أما أنا فأعبر عن نفسي من خلال القصاصات المصورة التي تمنتجها الذات أو الزمن! لقد ضمر العالم الذاتي ونما العالم الذهني والمونتاجي».

في تلك الليلة لم أستطع النوم. فأمسكت بكتاب في مكتبته، وقرأت عن الجدل الذاتي بين النص المحكي والنص المكتوب، في كتاب جاك دريدا: «أطياف ماركس».

حيث يقول دريدا: «لقد مارس ماركس الكتابة ليجد لنفسه فكرًا، فاستولت عليه وصارت هي الفكر».« وأخذ يرى العالم لا من خلال ما يخبر به العالم عن نفسه، ولكن من خلال ما تصنع الكتابة فيه».

يقول دريدا أيضًا: «الكتابة تستدعي ما لم يقل، وما لم يفكر به، لكي تتخذ من نفسها شاهدًا وحيدًا لا يشاطرها في مضمونها شيء».

إذن الكتابة قبضت على الفكرة… بهذا المعنى يمكن القول: «لقد صيَّرت الكتابة ماركس ظاهرة نصية، فانداح في عالم الفلسفة حاملًا جنازة الصوت ومرتديًا سواد الحرف».

16 / 3

فلم «التضحية»

بعد حوالي عشرة أيام من محاولات العمل، بهذه الطريقة البدائية التي اتخذناها لمونتاج الفلم، والتسجيل على الورق للأرقام التي تحدد من أين نأخذ اللقطة، وتوقيتها، وأين يجب قصها. ويسجل قيس على بطاقاته الخاصة التي يعلقها على الجدار المجاور لجهاز العرض وتسلسل وترتيب اللحظات المختارة من الكاسيتات المرقمة. دون أن نكون تقنيًّا قادرين على أن ننفذ ذلك، أو مشاهدة اللقطات مع بعضها، وكان علينا أن نتخيلها فقط، وأن نتخيل الفلم كما سيكون. فقد كان بريخت حاضرًا في كل نأمة، وفي كل حركة لقيس. منذ أن يفتح عينيه في الصباح، وينظر إلى العالم ويفكر قليلًا… ثم يلتفت إلي وأنا وراء طاولة الكتابة. فيسألني:

ماذا تفعل؟ أفكر! فيقول: «يقول بريخت التفكير يعني التغيير»… هل سنغير في ما عملناه في المونتاج بالأمس؟

ثم ينهض إلى الحمام وهو يقول: لقد حققوا من فكرة «التفكير هو التغيير» فلمًا! ويطلق من دون أن يفتح عينيه، اسم الفلم الذي حققوه بالألمانية. يخرج من الحمَّام وهو يدقق العبارة التي قالها قبل أن يدخل، حول أن التفكير يعني التغيير. ويتابع كلامه وهو يتجه إلى المطبخ، ويضع غلاية القهوة على النار وهو يقول: أصلًا هلَّا اكتشفت المعنى!

لأن بريخت يقول ذلك، وهو لا ينظر إلى الفكرة كفكرة أو كلام، بل كـ«بروتسيس – سياق»!

لاحظ يا محمد! بريخت لا يرى الفكرة كمعنى ومفهوم في الماضي أو الحاضر… بل بما يجب أن يكون عليه المعنى في المستقبل. هذه القراءة الآن اكتشفتها، والآن فهمت أكثر ما يقصده بريخت.

تصور أن العرب يقولون: «من راقب الناس مات همًّا».

يقترب قيس من الطاولة حيث أجلس، ويطل على دفتري، فيسألني: شو قلت أنا؟ والله نسيت! ثم يلملم سريره وهو يغني شيئًا من أغنية صبري مدلل في فلمنا «أنا لي إله ينصفني…!»

يعدّ لنفسه قطعة خبز ليأكلها قبل القهوة، ويحمل فنجانه ويتجه نحو الطاولة المجاورة لسريره.

كانت تلك الطاولة كالمعتاد عليها بقايا الأمس والنظارات والساعة المنبهة والريموتات كونترول، وعدة كتب يتصفحها قبل النوم.

في النهار قرأ لي أوراقًا قديمة كان قد كتبها عن فلم «لون الرمان» لبارادجانوف عن البناء العضوي والبناء الأفقي في الفلم. ثم التفت إلي وقال: هذا كبناء الأيقونات.

حين أدرك إعجابي الشديد بفلم «لون الرمان» وذاكرتي عنه… ارتبك قليلًا في القراءة، وأحس بأن الأفكار التي كتبها قد تقادمت بشكل ما.

فقال: دعني أتصفح ما كنت قد كتبته، وأفهم أنا أولًا… ثم أخذ يقرأ… وقال: فكما تريد أنت أن تفعل، وتصنع مع صبري مدلل البريختي الأصيل، ذاك التزامن بالصورة عبر«المينياتور» الذي صورته في بداية الفلم.

ثم أضاف: الزمن مفتاح كل شيء. وكما يقول لوكاش في نظرية الرواية بأن «الزمن هو الصانع العظيم للمفارقة اللاذعة». ورمى لي مقالًا كتبه عن «الفلم السياسي مرة أخرى». ثم مقالًا حول أثر الفلم التسجيلي في الفلم الروائي، وكيف استفاد كل منهما من الآخر.

وحين شاهدني أكتب ما يقول صمت… وبدأ العمل من جديد. فكنا نرى لحظتها اللقطة المصورة لصبري مدلل ذات تلك الأرقام، نتوقف، نناقشها، ثم بعدها إما أن نرميها إلى النسيان أو نسجل على الورق رقم اللحظة التي سنأخذها، ورقم اللحظة التي سنقطعها، ثم نسجل مع أي لقطة ستُركَّب.

هكذا حتى وقت متأخر فينصرف كل منا لنفسه خلال ما تبقى لنا من الوقت.

إنه الصباح.. الثامنة والنصف.  أطل من النافذة وأتأمل البنايات المقابلة، فأشعر كأن ثمة منعًا للتجول في هذه البقعة. كمية هائلة من الشقق والنوافذ، لكنها كلها مطفأة الأضواء، ومغلقة ومجللة بالستائر الغامقة. لم يكن هناك نافذة مفتوحة غير واحدة فقط. ليس هناك أحد في الشوارع أو في الحديقة أو على مداخل العمارات. في آخر المطاف لمحت امرأة في البعيد، خرجت بكلبها لتفسحه فسحة الصباح.

قال قيس فجأة: «في عام 58 كان عمري حوالي ثمانية عشر عامًا، فأحرق البعثيـون بيت جدتي وهي داخل البيت؛ لأن ابنها كان شيوعيًّا. لقد أثرت هذه الحادثة في داخلي كثيرًا.

في المساء أعطيته ليقرأ النص السينمائي الذي كتبته بعنوان: «سينما الدنيا» وهو المشروع الذي أعمل عليه حاليًّا لفلمي المقبل.

في تعليقه على المشروع بعد أن قرأه قال: «شخصي جدًّا»! وأردف أن «فلم «التضحية» لتاركوفسكي ما زبط لأنه كان شخصيًّا، رغم أنه فلم مثير سينمائيًّا وشيق».

لا أخفي أني لحظتها صعقت! ليس من رأيه حول مشروع «سينما الدنيا»، بل من رأيه في فلم تاركوفسكي «التضحية». تساءلت مع نفسي: هذا الإنسان الذي قبيل أن يبدأ حياته السينمائية، كان قد كتب أطروحته «طرق المونتاج في فلم طفولة إيفان لتاركوفسكي». كيف له أن يعتقد اليوم أن فلم «التضحية» ما زبط لأنه كان شخصيًّا؟!

ترى هل هي زلة؟ أم تصيد من طرفي طبعًا؟! أم هذه الوحدة والوحشة؟

ثم قال تعليقًا على السيناريو الخاص بي: «إن خط الحرب في السيناريو لديك جيد، ومشاهد كمامات الغاز.. كذلك استحضار فارس الحلو من فلم الليل… لكن يحتاج الواحد أن يقرأ السيناريو ثانية».

في 95 كانت لدينا -عمر وأسامة وأنا- الرغبة في أن نعيد اكتشاف الآباء. فكان فلم «نور وظلال» عن شعورنا حينها، بأن نزيه الشهبندر هو الأب…

من أستعيد الآن هنا في هذه الكتابة؟!

نفسي؟!  أم قيس الزبيدي؟ لقد وقع قيس في أن يعيش في عالم من «الرشز» Rushs.

أتساءل اليوم ما الذي بقي من ألمانيا الديمقراطية من قصاصات على جداره، خارج سلال الــ OUT والنسيان؟! سيبقى عنوان فلمه الأول «بعيدًا عن الوطن» دلالة لسينمائي يعيش حياته وهو يبحث عن بلد ينتمي له. وقد تألمت كثيرًا حين وجد نهاية لحوارنا، فقال: «لقد حاولت أن تكون دمشق مكاني الأول بعيدًا عن الوطن… لكنها بقيت المكان الثاني. وحين سقطت برلين الاشتراكية، سقط معها مكاني الأول وصارت الثاني.

في السينما قضيت العمر كله مع السينما التسجيلية، التي كانت خياري الثاني وليس الأول. هكذا بقي «الأول» مفقودًا دائمًا، لأعيش في «الثاني» أبدًا.

كنا حينها قد اخترنا النهاية لفلم «حلب مقامات المسرة» أيضًا. حيث يصعد الرجل العجوز صبري مدلل، السلم الطويل لمئذنة الجامع الكبير في حلب، ويطل على فجر المدينة، وينشد «إلهي أشكو إليك أمورًا أنت تعلمها ما لي لها حول ولا يد…».

حملت أشرطة الفلم وأوراق «الماكييت» وبطاقات قيس، وغادرت برلين إلى باريس لتنفيذ المونتاج الذي قمنا به، من دون أن نجسده أو نراه.

بعد أن غادرت برلين ونفذت «الماكييت» الذي توصلنا له، وأنجزت الفلم بصيغته الأخيرة في باريس، شعرت أن عملنا المشترك على الرغم من بدائيته واعتماده على صياغة «الخيال» لتصورنا للفلم، وبدائية الوسائل التقنية التي كانت متوافرة لدينا، شعرت بالرضا بعد المشاهدة النهائية للفلم. وأحسست من جديد بالقيمة المهنية والمهارة الحرفية التي استطاع قيس أن يصل إليها ليس كسينمائي فقط، بل بالقدرة أيضًا على التكيف مع الوسائل التقنية التي تواجهنا كسينمائيين في البلدان العربية.

Share This