تركي الحمد – كاتب سعودي

تعيش السعودية هذه الأيام تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية جذرية، لدرجة أننا يمكن أن نسميها «ثورة» من الأعلى تقوم بها القيادة السعودية من أجل التجديد. بل يمكن القول إعادة التأسيس. بإيجاز، إن السعودية اليوم تغير جلدها الذي ضاق عليها فلم يعد يستوعب تغيرات العالم المتسارعة، سواء في مجال التكنولوجيا، أو الاقتصاد، أو الثقافة الحديثة. وحين نتحدث عن التحولات فإننا في الوقت ذاته نتحدث عن الأزمات. فالأزمة وفق التعريف التقليدي، هي تغير مفاجئ سواء نحو الأفضل أو نحو الأسوأ، وكلاهما أمر نسبي، أي أنها نوع من عنق الزجاجة الذي لا بد أن تمر به المجتمعات التي تشهد تحولات كبرى، كالتي تشهدها السعودية هذه الأيام. ومن هنا يبرز السؤال: ما دور المثقف أو المفكر في مثل هذه التحولات أو لنقل الثورات التي تنقل المجتمعات من حالة إلى حالة تكاد تكون نقيضة لها إن لم تكن في تناقض تام معها؟

الأزمات والتحولات الكبرى في التاريخ تفرز مثقفها أو مفكرها، سواء مع بداية التحول أو قبيل التحول حين يكون المجتمع في أزمة حقيقية. فقبل مجموعة الإصلاحات التي قدمها الأمير محمد بن سلمان في الرؤية، كان المجتمع يعيش أزمة حقيقية نتيجة هيمنة أيديولوجيا أدت دورها التاريخي؛ لكنها لم تعد قادرة على استيعاب التغيرات الاجتماعية والثقافية ناهيك عن الاقتصادية على مر تاريخها منذ لحظات التأسيس، وبخاصة في أثناء العقود الثلاثة من الصحوة. أيديولوجيا ألبست السعودية ثوبًا أصبح خانقًا لها ولتطورها لضيقه، وهو الذي كان مناسبًا لعقود خلت. ومن هنا بدأت أصوات تعلو بضرورة التغيير وأنه لم يعد مجرد خيار، بل هو حتم إذا كان بقاء الدولة وتماسك المجتمع وازدهار الاقتصاد هو الغاية. وكانت هذه الأصوات، مثقفون ومفكرون، تحذر من المآل إذا استمرت الحال على ذات الحال، وفي ذات الوقت تصف، أو تحاول أن تصف وتنظر بكيفية الخروج من عنق الزجاجة وتداعيات الأزمة بطرح حلول تختلف من مفكر لآخر، ومن مثقف لآخر، لكنها تتفق في النهاية على أن هنالك أزمة، أو أننا في الطريق إلى أزمة، وعلى ضرورة التغيير وكيف يكون ذلك، وهنا يكمن دور المثقف والمفكر في حالة التحولات الكبرى وما يسبقها من أزمات: قرع الجرس للتنبيه إلى أزمة، ومحاولة طرح الحلول لأزمة قائمة أو أزمة قادمة.

أثينا وسقراط

عندما كانت أثينا، أو دولة المدينة آنذاك، تعاني أزمةً في وجودها، من حيث تحول من حولها إلى النمط الإمبراطوري للدولة ممثلًا في الدولتين الفارسية والرومانية، وأزمةً في ثقافتها ونظامها الاجتماعي والسياسي، ظهر سقراط مشككًا في عقائد أثينا من خلال أسئلته المحرجة، وظهر أفلاطون وجمهوريته الفاضلة القائمة على حكم الملك الفيلسوف المالك للحقيقة المطلقة، كبديل لنظام أثينا الديمقراطي المهترئ، وظهر أرسطو مناقشًا علاقة الأخلاق بالسياسة وصفات المواطن الصالح والفرد الصالح، وظهرت الرواقية المبشرة بالصبر على الألم، والأبيقورية المبشرة بالمتعة والمتعة فقط، وغيرها من مدارس أقل شأنًا. كل هذه المدارس وأولئك المفكرين كانوا إفرازًا لأزمة أثينا سواء الداخلية أو الخارجية، وكل يصف الأزمة وفق تصوره، ويطرح حلًّا لها وفق رؤيته بطبيعة الحال.

وعندما بدأت أوربا تخرج من النظام الإقطاعي في بداية الطريق إلى العصور الحديثة، وظهور طبقات جديدة على حساب الطبقات الآيلة للسقوط، وأهم هذه الطبقات الجديدة هي الطبقة البرجوازية، بدأ ظهور مفكرين يفسرون ما يجري من ناحية، وينظرون لما سيأتي من ناحية أخرى. فرينيه ديكارت مثلًا بدأ مشروعه في الاستهلال بنقد أسس المعرفة التقليدية القائمة على الثقافة الدينية وتغيراتها للكون والحياة، ممزوجة بنظريات أرسطو وإقليدس وبطليموس وغيرهم. بدأ ديكارت مشروعه من الصفر حيث نفى كل معرفة، وشك فيها ولم يبق إلا الذات المفكرة التي لا شك فيها، ويلخصها الكوجيتو الشهير له: «أنا أفكر إذًا أنا موجود»، ومن هذه البديهة البسيطة بنى ديكارت نظامًا معرفيًّا متكاملًا كان أحد الأسس التي قامت عليها المعرفة الحديثة. هذا من الناحية المعرفية، ومن الناحية الاجتماعية والسياسية، ظهر مفكرون لعل أبرزهم فيما يتعلق بموضوعنا مفكرو العقد الاجتماعي (توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو)، الذين شخّصوا أزمة المجتمع القديم وجموده، وقدموا حلولهم لكيفية المجتمع الجديد، على اختلاف بينهم في البنية الضرورية للمجتمع الجديد.

وعندما تنمرت الرأسمالية في القرن التاسع عشر، وأظهرت وحشيتها حين لا تكون مقيدة ومقننة، وهو ما أدى إلى تفاقم تناقضاتها وازدياد قسوتها تجاه القوة العاملة (البروليتاريا)، سواء فيما يتعلق بالأجور المدنية أو تشغيل الأطفال، ظهر المفكرون والمنظرون الاشتراكيون على اختلاف اتجاهاتهم، سواء الثوري منهم مثل: كارل ماركس، وفريدريك إنجلز، أو الطوباويون منهم مثل: شارل فورييه، وروبرت أوين، وسان سيمون وغيرهم.

وفي روسيا، وقبل انهيار النظام القيصري بسنوات طويلة نتيجة تعنت هذا النظام لمتغيرات الداخل والخارج، وتحكم المصالح الخاصة وانتشار الفساد وتحكم الإكليروس بالدولة واستبداد القيصر، تكاثرت الأصوات التي كانت تنادي بالتغيير وتصف حال المجتمع في ظل القيصرية الجامدة آنذاك، لعل من أبرزها الروائي الروسي ليو تولستوي، وكذلك فيودور دوستويفسكي، حتى سقط النظام في النهاية على يد البلشفي فلاديمير إيلتش لينين في ثورة دموية نتيجة عدم قابلية النظام للتغيير، وهو ذاته ما حدث للاتحاد السوفييتي لاحقًا، حين صارت الأيديولوجيا الشيوعية المؤسسة للاتحاد، هي ذاتها المعوِّقة لتغير وتطور هذا الاتحاد، وهو ذاته ما حدث في الصين حين تحولت الأيديولوجيا الشيوعية، أيديولوجيا الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ، إلى عائق يقف في طريق تطور الصين ونموها، حتى جاء دنغ شياو بنغ وشرع أبواب الصين للاقتصاد الحر.

العرب يكتشفون تكلسهم

وفي عالمنا العربي، أدى اكتشاف هذا العالم للغرب الحديث في أواخر القرن الثامن عشر إلى صدمة حضارية، حيث اكتشف العرب أن الغرب المتخلف الذي عرفوه قبل قرون من الزمان، لم يعد ذلك الكيان المتكلس بل اكتشفوا فجأة أنهم هم المتكلسون وبدأت الأسئلة الوجودية الكبرى في الظهور: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا؟ كيف يمكن اللحاق بركب الحضارة؟ هل يتوافق الإسلام مع الحضارة الحديثة؟ وغيرها من أسئلة وجودية كبرى كلها يدور حول هذه الأزمة؛ أزمة اكتشاف تخلف الأمة وتقدم العدو التقليدي لهذه الأمة. تعددت الإجابات عن هذه الأسئلة بطبيعة الحال، وصفًا لهذه الأزمة وأسبابها، وحلًّا لهذه المعضلة التاريخية على اختلاف مضمون هذا الحل، فمن قائل: إن الإسلام هو الحل، وما تخلفنا إلا نتيجة الابتعاد عن جوهر الإسلام، والعودة إليه هي الحل الأوحد، وذلك ما تمثله دعوة صاحب المنار محمد رشيد رضا، المتأثر كل التأثر بالدعوة الوهابية في نجد، ومن قائل بضرورة التوفيق بين الإسلام وحضارة الغرب وعلومه. كما عبر عن ذلك فكر الشيخ محمد عبده مثلًا، ومن قائل: إن الحل لا يكمن في هذا ولا في ذاك، بل هو في اعتناق فكر الغرب وتشرب حضارته بالكامل من دون محاولات توفيق أو تلفيق، وهذا ما تمثله تجربة محمد علي باشا الكبير في مصر ومن جاء بعده، وكذلك طه حسين مثلًا في بداياته حين حاول أن يطبق مبدأ الشك الديكارتي لنقد التراث في كتابه: «في الشعر الجاهلي»، ونادى باعتناق الحضارة المعاصرة بكل أبعادها في كتاب: «مستقبل الثقافة في مصر». والحقيقة أن عالم العرب لم يخرج من أسئلته الوجودية الكبرى حتى هذه اللحظة، وما زالت الإجابات تُراوِح بين عودة غير مقيدة للإسلام وتراثه، وبين الاعتناق الكامل لحضارة العصر كما فعلت اليابان وغيرها للّحاق بهذه الحضارة والإسهام فيها، وبينهما محاولات التوفيق والتلفيق، ويبدو أن مقولة محمد عابد الجابري صادقة حين وصف الزمن العربي بأنه زمن ميت.

نعود الآن إلى السؤال الرئيس في هذه العجالة: ما دور المثقف والمفكر في ظل التحولات الكبرى والأزمات التي تسبقها، أو ترافقها أو تعقبها؟

بكل بساطة دوره هو الوصف والتقرير واقتراح الحل، لكن في النهاية إن كل ما يفعله المثقف لن يكون له ذلك التأثير من دون سلطة تسانده، ومن هنا يأتي دور السلطة السياسية في إحداث التغيير حين تكون مقتنعة بضرورة التغيير، وأنها مسألة حياة أو موت. السلطة السياسية هي في النهاية من يقرر الحل الأمثل لاستمرارية الدولة والمجتمع في حالة الأزمة، وهذا لا يتأتى من دون نوع من التناغم بين المثقف والسلطة: فالمثقف هو عقل المجتمع، والسلطة هي اليد المنفذة. لقد مر حين من الدهر كانت فيه العلاقة بين المثقف والسلطة متوترة، بل عدائية، نتيجة أدلجة المثقف واستبداد السلطة وتعنتها، وأظن أنه قد آن الأوان لمد خيوط الثقة بينهما، فالمصير واحد، والهدف في النهاية واحد.

Share This