لمياء باعشن – كاتبة سعودية

من آية في كتاب الله الكريم ننطلق في تأمل معنى أن تكون هناك لغات لتحقيق التعارف بين المخلوقات على هذه الأرض التي هيأها الله لهم، وهيأهم لها. تظل فكرة التخاطب بين الإنسان وباقي الكائنات تنافي العقل ويقاومها التقبل، رغم أنها كانت دائمًا مُحرّكة للخيال ومُحفِّزة للتأمل العميق في إمكانياتها. وحين نقرأ في القرآن الكريم كيف انزاح حاجز التواصل بين الهدهد وسليمان عليه السلام، نُسلم بالأمر إيمانًا، ونُدرج المسألة تحت بند المعجزات لعجزنا عن فك أسرار الإزاحة. في الآية،(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) [النمل: 16]، يأتي التصريح بالهبة الإلهية التي يختص بها الله من عباده من يشاء، هبة يحوّل بها الخالق ما ألفه الناس من ثبات لنواميس الطبيعة.

لكننا نلمس هذا التحويل في حياتنا اليومية ولا نتوقف عن التعلم والتأمل بداعي أن ما نراه هو معجزات يستعصي إدراك كنهها. فالله سبحانه وتعالى الذي بيده أن يغير خواص النار الحارقة، فتكون بإذنه بردًا وسلامًا، ويغير خواص الماء السائل ليكون كالطود العظيم، هو الذي يغير النسائم الرقيقة إلى عواصف هادرة، والنور الدافئ إلى نار حارقة، والماء الرقراق إلى أعاصير جبارة، هو الخالق الذي بيده أن يحوّل ما يشاء إلى نقيضه حتى إن نعمه تصبح نقمًا. وهذه الظواهر الطبيعية التي ندرسها ونتعلم أسرارها ليست إلا إخراج القانون من نظام الاعتيادية، ثم إعادته إلى مسيرته المعتادة، حتى يصير فرع التغير المناخي في حد ذاته قانونًا طبيعيًّا.

لم يؤتَ سليمان عليه السلام كل شيء، بل أوتي «من كل شيء»، فمع كثرة الهبات التي اختصه الله بها تظل أجزاء من كليات أكبر لا يعلمها إلا الله تعالى،﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾، [الأنبياء: 81]، كما أنه لم يؤتَ تلك الأجزاء وحده، وإلا لكان قال: «أوتيتُ»، فهو في جماعة لذلك يقول: (عُلِّمْنَا)، وربما كان ذلك من ضمن ميراث آل داود: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًاۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾  [سبأ: 13]. لذلك فإن هناك آيات توضح ما لداود عليه السلام من أفضال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: 10]، ﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ. وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص: 17-20]. ثم هناك آيات تجمع بين داود وسليمان في تبيان الأفضال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾  [النمل: 15]، ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ۚ﴾  [الأنبياء: 79]، كما أن هناك آيات ينفرد فيها سليمان بالتحديد وإن تشابهت الأفضال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: 81]، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ [سبأ: 12]، ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ [الأنبياء: 79]، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: 80]. لكن في خلاصة الأمر هناك مسألة الميراث: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، فربما كان علم «منطق الطير» من باب «فصل الخطاب» الذي انتقل من داود إلى سليمان من ضمن ما ورثه عنه.

قانون الخروج عن القانون

ما يهمنا من مسألة أن عمليتي التسخير والتعليم قد تكررتا مع داود وسليمان هو فكرة تكوين قانون الخروج عن القانون، ظاهرة تخرج من سياق الغرابة إلى الاعتياد، فيصبح تبدل السنن الكونية سنة كونية. في العملية الأولى، التسخير، تأخذ عناصر الطبيعة من جبال، وحديد، ورياح، وطيور، وجن أوامرها من الله تعالى بالانصياع لداود ولسليمان، وفي العملية الثانية، التعليم، تجري تهيئتهما وتفهيمهما ليتمكنا من الأخذ بزمام القوى والقدرات التي تملكها تلك العناصر المُسخَّرة. وفي حالة ﭶ ﭷ ﭸ لا بد أن نعي أن نبي الله سليمان قد بُـني فيه استعداد تواصلي مع كل الطير، لكننا لا نجد في القرآن سوى مثال الهدهد، في حين لا يقول سليمان عليه السلام: إنه أوتي منطق غير الطير من المخلوقات، غير أننا نجده ينقل لنا كلام النملة في آية ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾.  [النمل: 18-19]. ولو كانت النملة نحلةً لقلنا: إن فئة الطائرين تشملها، لكنها حشرة تدب في الأرض، فهل هذه هي كلية الأشياء التي أوتي منها في الآية: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾  أي من الطير وغيره؟

لا شك أن سليمان عليه السلام كان يتواصل مع كل شيء في ذات الوقت، كأنه في حالة من التزامن المفتوح على المعنى بعيدًا من عوائق اللغات وفواصلها التعبيرية. إذا لم يكن هناك تخصيص لطير معين أو لحيوان معين يستطيع أن يصل سليمان إلى تراكيبه اللغوية ليسمعها صوتيًّا، ويفهمها حروفيًّا وأسلوبيًّا، فكم من اللغات كان سيحتاج؟ هل كان سليمان يحادثها زقزقة وتغريدًا؟ وإن كان سليمان عليه السلام قد تعلم كل اللغات على الأرض، فهل تعلمت الطيور لغات البشر؟ حين يعود الهدهد من رحلته إلى سبأ، هل قال حرفيًّا بصوته جملة: ﴿وجئتك من سبأ بنبأ يقين﴾  [سبأ: 22]؟ سبأ اسم يُعيـِّن موقعًا على الأرض اتفق عليه الناس، فهل عرف الهدهد أسماء البلدان كما سماها البشر؟ ثم إن تفاصيل القصة التي نقلها عن الأوضاع في سبأ: المرأة الملكة التي «أُوتِيَتْ من كل شيء ولها عرش عظيم»، والناس الذين يعبدون الشمس ويسجدون لها، كلها يرتكز على تقدير وتحليل بشري يستلزم المعرفة بالتقسيم المجتمعي والطقوس الدينية.

ليست مجرد كلمات

إن كان منطق الطير هو لغة الطير، فاللغة ليست مجرد كلمات قائمة بذاتها، بل هي إشارات إلى معارف متفق عليها، والحمام الزاجل مثلًا يجري تدريبه لنقل الرسائل من مكان لآخر من دون تزويده بعناوين وأسماء لن تعني له شيئًا. اللغة تفقد قيمتها في غياب الإطار المرجعي لها فتصبح أصواتًا جوفاء لا تحيل إلى شيء، وعليه فإن التجربة المعيشية البشرية تتحكم في صياغة لغات البشر، وتظل مستغلقة على غيرهم من المخلوقات. في هذه الحالة، هل نطق الهدهد؟ وإذا لم ينطق، فما المقصود بمنطق الطير؟ هناك احتمال بأن يكون هو المنطوق، أي المتلفظ به صوتيًّا، وقد يكون ذلك النظام العقلي الداخلي (logic) الذي تتسق فيه الأفكار ثم تجد من الملفوظات ما يحمل معانيها إلى مستمع خارج عنه، كما قد يحيل إلى النطاق، أي الحيز الذي تتشكل فيه الفكرة والأفق الذي ينمو فيه المعنى.

تلقى الهدهد أمر الذهاب وأمر الإياب، ثم أُمر بحمل الكتاب: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: 28]، فطار برسالة سليمان إلى ملكة سبأ يدعوها إلى عبادة الله وحده. وإن كان الهدهد قد ألقى الكتاب وتولى عنهم، أي أنه عاد إلى سليمان فهذا لا يثير الدهشة، لكنه بقي قريبًا منهم لينقل تفاصيل مَاذَا يَرْجِعُونَ لسليمان، ثم إنه هو الذي أبلغه برغبتها في إرسال هدية إليه، فغضب قائلًا:﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل: 36]، فهذا أمر مثير للغاية. ليس من الواضح إن كانت الهدية قد وصلت سليمان مع مراسيل من سبأ فخاطبهم بقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾،  [النمل: 37]، أم إنه كان يبعث الهدهد إليهم مرة ثالثة. في كل الأحوال، كانت قدرات الهدهد في هذه المهمة هي التي على المحك، فهو قد تلقى الأمر من سليمان بمنطق ما، ثم ألقى الكتاب، لكنه ظل مراقبًا لما يجري، حيث إنه كان مكلفًا في هذه المرة بنقل الأحداث والأقوال، فكيف فهم كلام الملكة وهي تقرأ رسالة لا بد أنها كُـتبت بالآرامية أو السبئية، وسليمان في بيت المقدس ولغته السُّريانية أو العبرية، وكيف فهم كلامها وهي تشاور ملأها، ثم وهي تقترح إرسال هدية لم يرها؟ إن كان التواصل بين سليمان والهدهد يدور بلغة بشرية أو طيرية، فهذه الزيارة لسبأ لا تتوافق مع شروط التواصل، وهو ما يستوجب إعادة التأمل في معنى «منطق الطير».

يتخاطب سليمان مع قومه بلغتهم، ثم يخاطب الطير بلغته، ثم يكاتب ملكة سبأ بلغتها، وهو حين يطلب من الحضور في مجلسه أن يأتوه بعرشها، يقول:﴿عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: 39]، ويقول من بعده مخلوق لا تتأكد لنا بشريته ولا نعرف عنه شيئًا سوى أن «عنده علمًا من الكتاب»:  ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: 40]، إضافة إلى سماعه وفهمه حديث النملة. يتبين لنا إذًا أن المَلَكة الذهنية التي تعلمها سليمان من رب العالمين تشمل الطير وغير الطير، وهي قدرة الانفتاح الشامل على العقول والتخاطر معها بطريقة فوق لغوية، طريقة قراءة الانطباعات داخل الأذهان من دون الاصطدام بحواجز اللغات وتراكيبها وأبنيتها.

Share This