ضياء يوسف – ناقدة سعودية

لطالما كان الفعل الفني على جدران الشوارع في المدن السعودية وسيلة من وسائل التعبير بالكلمات. دفتر كبير للملاحظات، قد تظهر به بعض الرسوم الكاريكاتيرية البسيطة. تحول هذا ليكون ممارسة فنية واضحة بعد دخول الإنترنت إلى المملكة وانتشار مصطلح «فن الشارع» عالميًّا، الذي من خلاله وجدت أرضية مفتوحة للتفاعل قائمة على تبادل التجارب وأدوات العمل وطرق استخدامها في أوساط شغوفة بالمواهب وبالفن. مشهدية الاندماج العالمي هذه، أجادت الانخراط فيها من المملكة، وبشكل رئيسي، فئات الشباب والمراهقين التي هي في الأغلب فئات متعلمة تميل إلى اعتماد المزاج الفني المعاصر، بهذا تمت بشكل غير مقصود، زعزعة ما يمكن تسميته بـ«احتكار القيمة الفنية». بحسب جاك أومون، الظاهرة الفنية الأهم في العصر الحديث، بشكل عام، تتمثل في الالتباس التدريجي الحاصل بين القيمة الجمالية والقيمة الفنية في صورة ما. فمفهوم الفن نفسه يحتمل العديد من التحديدات الممكنة. في حين أنه، منذ نصف قرن على الأقل، يحدد بشكل شبه حصري، من خلال منظار مؤسساتي (فالفنان هو من تعترف به مؤسسة مؤهلة قانونيًّا، على أنه فنان، والأمر نفسه ينطبق على العمل الفني الذي يقدرونه على هذا الأساس)، وليس من الناحية الجوهرية المرتبطة بالعمل.

ينطبق هذا جزئيًّا وكليًّا مع ما يمرّ به فنان الشارع السعودي. فالمؤسسة الثقافية أو الاجتماعية أو الخاصة التي تدعوه للرسم على هامش مناسبات ثقافية أو لتزيين مراكز ومحلات تجارية، تضفي عليه نوعًا من الاعتراف بكونه فنانًا. ولا يحدث التأثير عينه فيمن يقدم الممارسة ذاتها من دون دعوات مدفوعة أو غير مدفوعة. على أي حال يستفيد فنان الشارع من هذا الاعتراف؛ إذ تُنشَأ أحيانًا هذه اللوحات في الأساس كوسيلة إعلانية عن موهبة الفنان، وهو ما أنشأ نوعًا من المهن الجديدة في ساحة المواهب. ليس آخرها الظهور المتكرر لعلامات تجارية ومحلات تسوق مواد البخ والتلوين يُنشِئها مشاهير في فن الشارع.

العمل كمنشور أو كإعلان

ما النص الذي خلفه؟

«صورة أو عنوان رئيسي مكثف أبلغ من الخطابات الطويلة»، يلخص هذا القول الذي يتكرر على مسامعنا، فكرة قديمة جدًّا عمل عليها القرن الثامن عشر بجهد كبير. بحسب جاك أومون كانوا في القرون الوسطى يعرفون أن جداريات الكنائس يمكن أن تكون بمنزلة «الكتاب المقدس بالنسبة إلى الأميين»، إلا أن هذا التعادل بقي غير متكافئ. فقد بقيت الصورة فيها خاضعة تمامًا إلى النص، وإلى النص الجامد بشكل خاص، الذي لا يمكن تغييره، وبالتالي، كانت الصورة تجلب المعلومات الموافقة لجدول سبق للنص أن وضعه. في فن الشارع السعودي وبإغفال الأعمال التزيينية لا نتحدث عن إلهام نص ثابت أو حتى أي نص، بقدر ما نتحدث عن مواقف في الأغلب تكون محصورة في نطاق مناهضة العنصرية، أو مناهضة منع الفن، أو المطالبة بالحقوق، وفي أفضل الأحوال الإعلان عن الهوية السعودية، أو التراث السعودي، أو الخط العربي بشكل معاصر على النمط الغربي. سواء باستخدام الرسوم الكاريكاتيرية أو فن البوب آرت. يبقى السؤال في مثل هذه الأعمال: هل المعنى الذي خلف الصورة الظاهرة يفوق الشكل المنجز قيمةً؟ أو يقلّ عنه؟ في الحين الذي يبدو ارتكابه في الأساس مقصودًا جدًّا، بقدر ما هو اعتباطي وغير جدي! هذا لا ينفي إطلاقًا أن الرسم الموجود صغر أو كبر يمثل قوة نقل وتعبير لا تضاهَى، لكنها مرتبطة بالحيوية الرمزية لمجموعة يافعة لا تتمسك جيدًا بالقضايا التي تقدمها أو لا تتبناها بتكريس كبير. من هذا المنظار، العمل الفني هو مجرد «رأي» يوهن المنجز البصري الذي لن يكون مجديًا إلا بشرط نقله القيمة المهمة بالنسبة إلى المجتمع بشكل دقيق.

إن النموذج الوحيد الذي يمكن التفكير فيه كنموذج ناجح هو الأعمال المكرسة لإبراز قضايا حقوق المرأة. أقل ما يقال في ذلك النوع من الأعمال هو أنه بدأ في فضاء ليس من السهل نقل هذا النوع من المفاهيم عبره، هذا بالمقارنة مع الحرية الكاملة المتاحة عبر الشبكة العنكبوتية. على أي حال حتى هذه الأعمال التي نفذت من جانب فنانات أخذن على عاتقهن هذه المجازفة التي بقيت غير حاسمة ومحدودة إلا أن تأثيرها الحقيقي بقي في الحراك الذي صنعته على الشبكة العنكبوتية، لا فضاء المدينة الذي نشأت فيه.

تشويه ممتلكات الآخرين

من الملاحظ أن أغلبية الأعمال في الشوارع السعودية تفتقد التعقيد. عدد قليل من الفنانين هم الأوضح جرأة في الألوان والعناصر. في الأغلب تأتي الأعمال بأحجام صغيرة سريعة التطبيق وبلون أو لونين على الأكثر. ربما هذا يبرز التأثر بالفنان البريطاني الأكثر شهرة « بانكسي». على أي حال من هذا النوع من المعالجة الفنية، يظهر أن إدراك الفضاء العام الذي تطبق عليه الأعمال غير واضح إن لم يكن غير حاضر إطلاقًا. بمعنى استخدام العناصر الموجودة في البيئة الحضرية ومكونات الجدار والآثار عليه، كجزء من عملية إنشاء العمل الفني. من الملاحظات البارزة في هذا السياق أن هنالك عددًا كبيرًا من الأعمال تعكس جانبًا حضاريًّا عند ذلك النموذج من الفنانين، حيث نراهم يختارون الأماكن القديمة جدًّا أو المحطمة لتطبيق أعمالهم، وفي الأغلب تظهر بأحجام صغيرة تنمّ عن حس بالمسؤولية تجاه الملكيات العامة يتماشى بانسجام مع الشعور بضرورة الفن، على العكس من فنون الشوارع الأكثر شهرة في العالم التي اكتسبت ذلك من كونها تبرز التآزر الذي منحه الفن في بنيته كحركة اجتماعية مع الحركات المناهضة للرأسمالية والمناهضة للعولمة، وهو ما أدى لمحاولة مهاجمة الملكيات التجارية مباشرة من خلال التخريب وإعادة التخريب.

طقس شبابي بامتياز

فرض فن الشارع كنوع من تطبيقات الفن على الجيل الجديد من الفنانين، بشكل عام، نوعًا من التأثير الرمزي للجيل، نراه يظهر في برامج شبابية «يوتيوبية تحديدًا» كنموذج حيوي للعمل الفني. يظهر أيضًا بصورة أكثر إدهاشًا في أعمال فنانين معاصرين. ونقول أكثر إدهاشًا لأنه في الأغلب حين يبدأ الفنان كفنان شارع يتطور معه الأمر ليتحول بعد ذاك إلى العمل التجاري، كبانكسي مثلًا. ولكن هناك ظاهرة لافتة لتوجه بعض الفنانين إلى فن الشارع في عملية عكسية. ربما هذا ينم عن نوعية لبعض الأعمال المعاصرة وتصور مسبق يرافقها، مفاده أن الشارع لن يتلقى العمل أو لن يصل إليه العمل إلا بهذه الطريقة. هناك تصور آخر حول الانتشار العالمي. وهذا التصور تحديدًا سيأتي مراعاة للمزاج العالمي للفن المعاصر الذي قد يستقبل خطوة الفنان هذه كمساهمة في الحراك الاجتماعي في عملية تسويقية أكثر منها ممارسة لفعل ثقافي.

إن المناخ الثقافي الذي يتمثل في وسائل الإعلام الجماهيرية، والإعلان، وتكنولوجيا المعلومات والاتصال، له دور مباشر في الإنتاج الثقافي وفي التنشئة الاجتماعية وفي المتعة وقضاء وقت الفراغ أيضًا. كل هذه الخطوط التي بتقاطعها نصل إلى شريحة الشباب الممارسين والشغوفين بفن الشارع الذي يعكس في بنيته وتطبيقاته طرق تفكيرهم وما توصل إليه مجمل المناخ الثقافي في المملكة. يظهر أن الاستهلاك الجماهيري لفن متاح في الشوارع له جمهوره ومحبوه والمتحمسون له، الأمر الذي كان البذرة الخصبة لإنشاء هذه المجتمعات في الأصل، التي ما زالت تنمو وتبتكر بروتوكولاتها الخاصة وطقوسها، مثل تخصيص جدران معينة لتعاقب الرسم عليها من جانب الفنانين في طقوس شبابية تنافسية جميلة، أو إفراد بعض المتاجر المخصصة لهذا الفن أدواتها وجدرانها لتبادل الخبرات وإظهار المواهب الجديدة.

Share This