عبلة الرويني – كاتبة مصرية

المواطن المغربي الذي أوقف سيارة عبدالناصر في العاصمة الرباط في الستينيات، ليسأله عن إسماعيل ياسين.. من المؤكد أنه لم يعد موجودًا، لم يعد موجودًا كنمط ووعي وتفاعل وعلاقة بالقوة الناعمة المصرية، لم يعد أبناؤه يعرفون ربما إسماعيل ياسين، ولا عبدالناصر، ولا حتى مصر..!! هل أبالغ في حجم تراجع الدور، أم هي المتغيرات السياسية الحادة والاقتصادية الصعبة التي أحدث تأثيرها، صعودًا وهبوطًا في القوة الناعمة المصرية… من حلم صلاح جاهين (بتماثيل رخام ع الترعة وأوبرا، في كل قرية عربية) ودعم دولة عبدالناصر في الخمسينيات والستينيات للثقافة والفنون.. إلى (تسليع) الثقافة بالتسعينيات، وصولًا إلى حرب التماثيل، وتغطية تمثال «عروس البحر» في الإسكندرية بقطعة من القماش، حتى لا يخدش الحياء العام!! ووضع إيشارب على رأس تمثال (أم كلثوم) بالمنصورة..!! واختطاف رأس تمثال طه حسين بمدينة المنيا..!! وقبل أيام تقدم أحد المحامين ببلاغ إلى النائب العام متهمًا الكاتب الدكتور خالد منتصر بنشر صورة تمثال «اختطاف بروزربينا» لنحات عصر النهضة الإيطالي جان لورينزو برنيني، المعروض حاليًّا في غاليري بوجونز بروما، على صفحته الشخصية بالفيسبوك، بحجة أن التمثال العاري يحض على الرذيلة..!!

عشرات الدعاوى القضائية طالت القصائد والأفلام السينمائية والروايات، تصاعدت خلال السنوات العشر الأخيرة، بتصاعد تيار الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة.. من عادل إمام إلى إلهام شاهين ووحيد حامد والروائي الشاب أحمد ناجي، وقبل ذلك الشاعر حلمي سالم ويوسف شاهين، وكثيرون جرت ملاحقتهم قضائيًّا منذ أواخر سنوات التسعينيات إلى اليوم..!! وهي في الأغلب دعاوى تذهب أدراج الريح.. مجرد غارة همجية، أو مجرد زوبعة تثير الغبار، وسرعان ما تتلاشى، من دون أن تخلف وراءها شيئًا سوى السخرية من أصحابها، والتأكد من خوائها. دعاوى معلقة في الهواء، لا سند لها ولا حقيقة على أرض الواقع، حيث الثابت الراسخ في الواقع المصري، والمؤثر في الشخصية المصرية، هو «القوة الناعمة» بتنوعها الفريد في الفنون والآداب.. هو السلاح الأقوى، وهو الرصيد والحماية..

لا تستخدم الحياة الثقافية المصرية في الأغلب، مصطلح السياسي الأميركي جوزيف ناي «القوة الناعمة» ويعني به «استخدام وتوظيف قوة الثقافة والقيم الأخلاقية والسياسية لتغيير الأوضاع السائدة في المجتمع». فعلى امتداد التاريخ كانت الثقافة والفن والفكر والقيم الأخلاقية هي رأس المال المعنوي لدى المصريين، وعنصر الحماية والصيانة للروح والشخصية، وكانت أيضًا عنصر التشكيل والتغيير والتأثير في الرأي العام.. في الدولة الناصرية تصاعد الاهتمام الثقافي، كأحد مقومات بناء الدولة ونهوضها، من خلال بنية تأسيسية قوية وأجهزة ثقافية ضخمة.. فأنشأت الدولة وزارة الإرشاد القومي عام 1953م، والمجلس الأعلى للفنون والآداب عام 1955م، ومؤسسة دعم السينما عام 1957م، ومسارح الدولة، وقصور الثقافة، وأكاديمية الفنون، ودور النشر وكثيرًا من المجلات والصحف، ليس فقط إدراكًا لقيمة الثقافة والفنون وأهميتهما، لكن أيضًا في استخدامهما كأداة تعبوية حاشدة لخدمة أيديولوجية الدولة، وتكريس مفهوم الثقافة كقوة دافعة للتقدم، ومساندة لعملية التحول الاشتراكي.

المصباح الهادي

راوحت القوة الناعمة المصرية صعودًا وهبوطًا، بالمُراوَحة بين الدور والحركة، والتأثير.. مرات كانت قوة إنتاج دافعة للتقدم، وهي المصباح الهادي والمضيء، ومرات أخرى كانت هي الرصيد والسلاح والحماية. في 25 يناير 2011م لم يكن إسقاط النظام المصري، والتغيير الذي أحدثه المصريون (فيما أطلق عليه الربيع العربي) فعلًا سياسيًّا فقط، بقدر ما كان تعبيرًا ثقافيًّا أصيلًا صنعته القوة الناعمة، بحجم الخيال الذي أنتج هذه الثورة.. 18 يومًا اعتصم الملايين في ميدان التحرير بوسط القاهرة للمطالبة بالتغيير. لم يمارس أحد عنفًا، لكن كانت الثقافة وألوان الفنون المتنوعة تصيغ ملامحَ خاصة للثورة المصرية، وترسم صورة مغايرة أيضًا للمثقف، ليختفي المثقف النخبوي، الأكاديمي، المنعزل، المطمئن طوال سنوات السبعينيات والثمانينيات إلى إمكانية الفصل بين الثقافة والسياسة والتاريخ.

في ميدان التحرير سقطت الأيديولوجيات النخبوية، وسقطت الحدود الفاصلة بين الثقافة والناس، بين النخبة والعامة، بين العمل الفكري والعمل اليدوي، مستعيدة الدور الوظيفي الفاعل للثقافة وقدرته على إحداث التغيير، الدور الذي تراجع طوال الثمانينيات والتسعينيات بمحاولات تسليع الثقافة..!! أشكال ثقافية جديدة فرضت نفسها على الواقع المصري، الحشود التي تحركت في الميادين أعادت الاعتبار للفنون البصرية والأدائية والشفاهية.. أعادت الاعتبار للجمهور في مواجهة القارئ المنعزل داخل الغرف المغلقة، ومثلما أحدثت الصورة تغييرًا في بنية الكتابة، أحدثت الثورة تغييرًا في بنية الصورة والكتابة معًا.. «الغرافيتي» والرسم على جدران المدينة، وثيقة حية تسجل وقائع الثورة يومًا بيوم، ولحظةً بلحظة.. تجددت الفنون الجماعية بأشكال مبتكرة، فرق غنائية وعروض مسرحية وأشعار وأفلام سينمائية أيضًا.. وفي 30 يونيو 2013م أسقط المصريون حكم جماعة «الإخوان المسلمين» في أكبر تظاهرة عرفها التاريخ الإنساني، ملايين المصريين في شوارع القاهرة تعلن «أن لا سمع ولا طاعة».. ليكون سقوط الإخوان في مصر، حادثًا ثقافيًّا بالأساس.. لم تسقطهم السياسة ولا أي قوى سياسية، ولكن أسقطتهم القوة الناعمة المصرية، التي وجدت نفسها متناقضة بالضرورة مع هذا الفكر المغلق، المعادي تمامًا للفكر والثقافة، لا يدركون أهميتها، ولا يقدرون قيمتها، ولا يفهمون إمكاناتها، ولا يعرفون كيفية استخدامها.. يرون في كتابات نجيب محفوظ «بذاءة» و«إباحية» ويرون في التماثيل «أصنامًا وأوثانًا» وفي الحضارة الفرعونية «عفنًا»..!! وكان لا بد للمصريين من الدفاع عن عقولهم وتاريخهم وحضارتهم.. وعندما طالب أحد أعضاء مجلس الشورى (ينتمي لجماعة الإخوان) بإلغاء عروض الباليه من دار الأوبرا وإلغاء معاهد الباليه؛ لأنه فن يشيع الفحشاء في المجتمع!! لم يعش تصريحه أبعد من دقائق إعلانه.. خرجت فرقة باليه الأوبرا لترقص في شوارع القاهرة للمرة الأولى.. قبلها بخمسين عامًا، كان عمال السد العالي يشاهدون الباليه الروسي للمرة الأولى في صعيد مصر. يومها صرح مدير فرقة «البولشوي» الروسية بأن عروض البولشوي لعمال أسوان، واحدة من أنجح حفلات الفرقة الروسية.

وفي مقر وزارة الثقافة بشارع شجرة الدر بالزمالك، اعتصم المثقفون احتجاجًا على تعيين وزير إخواني الدكتور علاء عبدالعزيز، وقاموا بمنع دخوله إلى مقر الوزارة لتسلُّم عمله (وبالفعل ظل وزيرًا على الورق لمدة يومين فقط، من دون تسلُّم مهام منصبه)!! اعتصم المثقفون 11 يومًا بمقر الوزارة عام 2013م، ورقصت فرقة باليه أوبرا القاهرة (زوربا اليوناني) في شوارع الزمالك، ورقصت فرقة الرقص المسرحي الحديث في ميدان «سعد زغلول» أمام مبنى الأوبرا في الهواء الطلق.. لتتحقق نبوءة الكاتب الراحل «فرج فودة» في كتابه «النذير» 1988م «سيصرخون ضد الغناء.. وسيغني الشعب.. وسيصرخون ضد الموسيقا.. وسيطرب لهم الشعب.. سيصرخون ضد التمثيل.. وسيحرص على مشاهدته الشعب.. سيصرخون ضد الفكر والمفكرين.. وسيقرأ لهم الشعب».

القوة الناعمة المصرية صانعة الثورات بامتياز، ليس فقط لأن «الثورة» مفهوم ثقافي، ولا لأن «التغيير» مفهوم ثقافي، ولا لأن الثقافة سلاح المواجهة الأول لدى المصريين.. لكن لأن الثقافة مكون أساسي في الشخصية المصرية.. وفي تنمية الوعي وتطوير العقلية.. وبقدر ما كانت الثقافة هي السلاح الأقوى في وجه التطرف والعنف في المجتمع المصري ولا تزال، فإن التحديات وعنف الحرب الدائرة على الإرهاب، وإنهاك الاقتصاد المصري وعدم الاستقرار السياسي، أنهك معه بالضرورة حركة القوة الناعمة وتناميها، وأدى لتعثرها وتعطل قدراتها على الإنتاج… مكتفية في كثير من الأحيان بأدواتها القديمة ورصيدها الثقافي الزاخر، مستعيدة في كثير من المناسبات الوطنية والأحداث القومية، الأغاني نفسها والأفلام نفسها، ربما أيضًا الشعارات نفسها.

سطوة القوة الصلبة

هذه المناخات السياسية والاقتصادية العاصفة، وهجمة التيارات الدينية الحادة، وحروب التطرف والإرهاب، فرضت سطوة القوة الصلبة على الناعمة، وخفضت مناخ الحرية الدافع للإبداع، فتزايدت ملاحقة الإبداع والمبدعين قضائيًّا، وجرى تفعيل قوانين مطاطية متعسفة مثل: (ازدراء الأديان، والإساءة لسمعة مصر، وخدش الحياء العام، وإهانة الرموز التاريخية..) إلى آخر القوانين سيئة السمعة، التي تشكل عائقًا وسلاحًا مضادًّا في وجه العمل الثقافي ووجه المبدعين..!! في الوقت الذي رأى البعض صعودًا مقابلًا للقوة الناعمة الخليجية، بقوة التمويل والاحتكارات والجوائز والمهرجانات والمسابقات، سحبت البساط من القوة الناعمة المصرية..!! وهي قياسات خاطئة وقراءات غير حقيقية، وغير دقيقة، وإلا أصبحت قطر التي استطاعت شراء مونديال كأس العالم 2022م، هي الدولة الأولى الراعية للرياضة في العالم. وكانت دبي بمهرجانها السينمائي الباذخ، هي الدولة الأكثر صناعة للسينما، وبخاصة أن هذا الصعود المالي المبهر، وكل هذه الأنشطة التمويلية الضخمة، لا تستند إلى قوى إنتاج حقيقية، ولكن في الأغلب تعمل وتتنامى بقوة المنتج المصري والقوة الناعمة المصرية.. ولعل الصيغة الأصوب ثقافيًّا، هي المزيد من التفاعل والحوار واستثمار القوة الناعمة المصرية باتساع حركتها وتصديرها ومد تأثيرها.. ولتتحرك القوة الناعمة المصرية من سطوة الهيمنة والسيطرة، إلى المشاركة والتفاعل والحوار.. تؤثر وتتأثر، وتضيف ويضاف إليها.

تحديات القوة الناعمة المصرية تتضاعف في السنوات الأخيرة بطبيعة العصف السياسي والمتغيرات الاقتصادية الحادة التي نحياها.. صحيح أن القوة الناعمة مارست مواجهات وحماية وتصدت لكل أشكال العدوان على العقل المصري، وكانت بالفعل سلاحًا للمواجهة.. لكنها أيضًا عانت من التراجع والتعثر، والاستناد إلى رصيد سابق من دون قدرة على التجديد والإضافة. وبقدر أهمية الدعوة المطروحة لتجديد الخطاب الديني، يحتاج الخطاب الثقافي أيضًا إلى الدعوة لتجديده وتطويره، لتستعيد القوة الناعمة عافيتها من جديد.

Share This