فيصل دراج – ناقد فلسطيني

كان زمنًا صعبًا، يعلم اللاجئ بجدارة ما لا ينسى.

أذكر شاحنة رمادية متقطعة الصوت، وطريقًا نحو الشمال، وحقائب متراكمة، ومطرًا ربيعيًّا، وغموضًا باردًا يخالطه الحزن، وحصانًا يحتضر تحت المطر، وأتذكّر نفسي صبيًّا يسافر مع عائلته إلى مكان قريب. وأذكر أيضًا عجوزًا ضريرًا افترش التراب، يلوّح بيد تعلن عن الفراق.

فيصل دراج

حين رفع الصبي رأسه المبتل، وقد تكدّس مع أهله في الشاحنة، رأى خلاءً واسعًا، على أطرافه خيمة سوداء يتصاعد منها الدخان، وأطياف امرأة تتقي المطر، وشعر أنّ الدخان مبتل يكسوه الصمت. أمعن النظر في ما حوله فوقع على حصان قائمتاه في الهواء، يحرّك جسمه ولا يستطيع الوقوف. كان ذلك في شهر نيسان من عام 1948م. وكان الطريق يصل بين مدينة القنيطرة وقرية «الجويزة» الواقعتين في هضبة الجولان السورية. حين اندفعت الشاحنة شرقًا، محمّلة بالبلل والأرواح المهاجرة، نظر الصبي إلى الوراء، واحتضنت عيناه صورة الحصان، وتخيّل عينين مفتوحتين يسقط فيهما المطر، ترتعشان، وتسكنه قشعريرة مميتة. كان الصبي في السادسة من عمره. وأذكر أنّ السائق كان يلفّ عنقه «بحطة فلسطينية»، يغمغم كلامًا مبهمًا، ويحرق سجائر كثيرة، ويطلق صوتًا كأنه غناء، يعاتب أختًا رفضت الرحيل، ويحاورها بكلمات متوجعة، ويسأل عن موعد اللقاء. كان غناؤه يختلف عن غناء أمي في بيتنا القديم. بعد أكثر من نشيج وأقل من غناء، مال السائق إلى جانب الطريق، وتوقف فوق أرض موحلة، إلى جانب عمود حديدي تعلوه لوحة معدنية كتب عليها «شيء ما». لاحظ الصبي أن العمود يهتز، وأن اللوحة مغطاة بوحل الطريق، كتب فوقها: «الجويزة ترحب بكم»، كما سيعرف فيما بعد. كان الطقس ربيعيًّا يطارده الشتاء.

قانون وجودهم الجديد

رفع المتكوّمون في الشاحنة رؤوسهم، محاذرين المطر، ولم يقولوا شيئًا، حين قال السائق بصوت واهن: وصلنا. ظنّ المتكوّمون، الذين أفرجت عنهم الطريق، أنّ الوصول إقامة مؤقتة، قبل أن تعلّمهم الأيام أن في الإقامة المؤقتة إقامات، وأن المؤقت قانون وجودهم الجديد. كان إلى جانب اللوحة المعدنية، التي يعابثها المطر الربيعي، كوخ خشبي يتصاعد منه الدخان، مطلي بلون رمادي يميل إلى السواد، صُفّت أمامه أحجار متلاصقة، سوّيت على عجل ويعلوها وحل كثير. يذكر الصبي فتاة ملفّعة بالسواد، سارت فوق الأحجار ودخلت الكوخ، ظنّها المرأة الأولى التي كانت تقف أمام خيمة وتتقي المطر، لكنها خرجت مسرعة وبيدها كيس صغير، سقط في الوحل، نظرت إليه شاكية وتابعت المسير.

انبثق من الكوخ الرمادي رجل طويل القامة، كثيف الشعر، يرتدي معطفًا يشبه متاع الجيش، يتوكأ على عصا، يختلط لهاثه بالسعال. اقترب من الشاحنة وقال: «لاجئين، لاجئين من فلسطين، ادخلوا، الدكان دافئ، استريحوا. دخلنا وشعرنا بالدفء، ولم نشعر بالراحة. سيذكر الصبي، في قادم الأيام، اسم الرجل بحب كبير، وسيتذكر عينين زرقاوين وابتسامة خجلى، ورجلًا يعرج كثير السعال. كان اسمه «عيسى». الرجل الدافئ الكلمات كان مصدورًا، وصرعه «داء السُّل»، قبل أن نغادر القرية بقليل، ومشى وراء جنازته خلق قليل. كان للدكان جزء داخلي، فيه مدفأة حطب وسرير متقشّف وطاولة قديمة وكؤوس شاي، وكان الشاي الساخن حلو المذاق. في الجزء الخارجي من الدكان ميزان وبضائع بسيطة وكتب تحاذي النافذة، وصورتان واضحتان إلى جانب النافذة، تثيران الفضول.

رجل على رأسه كوفية وعقال، يتدلى من عنقه منظار، وجهه مستريح، ينظر إلى البعيد، طوّق خصره بمسدّس وبحزام الطلقات. كتب تحت الصورة، كما سأعرف لاحقًا: الشهيد عبدالقادر الحسيني، الذي دافع عن القدس بجند قليل، وبعبوات ناسفة، واستشهد في الثامن من نيسان عام 1948م، ودعاه المؤرخ الفرنسي هنري لورانس «الفلسطيني الألمع». سارت فلسطين كلها وراء جنازة الشهيد، الذي شارك والده، عمدة القدس، في مظاهرة ضد الانتداب البريطاني، وهو يقترب من التسعين.

حنا أرنت

فانتر بنيامين

سيعلّمني المقاتل الشهيد، بعد عقود، أن المثقف لا يتعرّف بعمله الذهني، كما تعوّدت الكتب أن تقول، ذلك أن عبدالقادر درس الكيمياء في الجامعة الأميركية في بيروت والقاهرة، وتخرّج من الأخيرة، وأنه ترجم علمه إلى «صناعة المتفجّرات»، التي ألحقت بجيش الغزاة الصهيوني أضرارًا كثيرة. وسيعلّمني أن الثقافة ممارسة أخلاقية – وطنية، لا علاقة لها بالمراتب والألقاب. وأن المدعو بالمثقف ينوس بين النسر ودجاجة الأرض الكسيحة. الصورة الثانية الزاهية الألوان، كان يطفو فوقها وجه حديدي الملامح، شارباه كثيفان، في عينيه حنان وثقة، ظننتها صورة والد الرجل الطويل، إلى أن قال: «إنه والد الجميع»، وابتسم. سأعرف بعد عقود أنها لوحة رسمها الإسباني الشهير: بيكاسو، وأن المرسوم هو الزعيم السوفييتي ستالين، الذي أنتج ظاهرة مستبدة: الستالينية التي بنت «دولة جديدة» وهدمتها، وسأعرف أيضًا أن الاستبداد قديم، لا تستطيع حجبه مكتبات الظلام.

هل تعرفون هذا في بلادكم؟

كانت «جويزة»، قرية الإقامة المؤقتة، مقسومة إلى حي شركسي بيوته بيضاء مُزنَّرة بالورود، وحي تركماني بياضه من أهله البسطاء المكسوين بالبراءة والحكايات الغريبة. ما زلت أذكر الشاب التركماني، واسمه «حَلْبرام»، الذي سأل أمي، وبيده سمكة: هل تعرفون هذا في بلادكم أيتها السيدة الغريبة؟ أجابته متعابثة: نعرفه كثيرًا ونزرعه في الحقول مثل البصل، ينضج في شهر أيلول وندّخره للشتاء ورمضان. حين أعجبه الجواب سألها من جديد: وهل تعرفون «الدبس»؟ أجابته: نشربه عوضًا عن الماء طيلة العام. هز رأسه طربًا وقال: «من لا يحب الدبس لا يحب الله»، وصار يأتينا كل أسبوع بصحن من الدبس دعمًا للاجئين.

دفعتني التجربة، بعد سنين، إلى تأمل صورة الغريب في عيون الذين لم «يتغرّبوا»، ويعتقدون أن الغريب كائن مجهول السمات، لا تاريخ له ولا أصول، يثير الشك والريبة، كما لو كان قد سقط من السماء، وعلى الآخرين أن يتعرّفوا عليه، وعليه أن يعترف بأنه لا يعرف ما يعرفه الآخرون. ظهر اللاجئ الفلسطيني، في أحيان كثيرة، مخلوقًا ناقصًا، حتى كاد أن يعترف بنقصه المفترض، وينظر إلى كثيرين بإكبار غير جديرين به.

لم نكن نعرف أهل القرية، الذين عرفوا أننا عرب من بلد قريب، وعاملونا باستغراب ومحبة. وكنا نشعر أن وجودنا عبء على الآخرين. القرية العالية الموقع موزعة على بيوت بيضاء وقلوب بيضاء، سكنتها أربع عائلات فلسطينية من الجليل. حين كان يُسأَل والدي عن بلده كان يجيب: نحن فلسطينيون، من الجليل الأعلى، من ضواحي صفد القريبة من الحدود السورية، ويجيب عن أكثر من سؤال، ويدع كثيرًا من الإجابات معلقة في الهواء. كانت والدتي تقتعد مكانًا عاليًا، إلى جوار غرفتنا المؤقتة، وتنظر كل صباح إلى اتجاه صفد، وترى بالعين المجردة بشرًا يتحركون وتقول: «هذا يهودي ذاهب إلى صفد، وهذا يهودي يخرج منها». تميل إلى الصمت وتردّد بعد حين: «في يهود كثير، وفي ضباب، كنا أكثر منهم، كيف غلبونا لا أعرف!!» وتذكر كلامًا ملتبسًا عن «جيش الإنقاذ». وأذكرها تنشد بصوت مختنق: «يا فلسطين اذكريني واذكري ما فات كيف ننساك وفينا نسمة الحياة». بقيت تردد هذه الكلمات، بصوت أسيف، إلى أن جاوزت التسعين، ودفنت في أطراف دمشق. كان بين أشيائها القليلة صورة لها «من أيام الشباب»، تقف في ساحة الدار وتنثر الحب للحمام. لم أكن أعرف قبل دخولي إلى الصف الأول الابتدائي معنى اللاجئ، وأقل منه اللاجئ الفلسطيني، إلى أن قال المعلم: «التلميذ الفلسطيني في هذا الصف يرفع أصبعه». قالها ذلك الخمسيني المطربش المتواضع اللباس بصوت هادئ مغمس بالشفقة. علَّمني ثلاث سنوات في القرية السورية التي سطا عليها الإسرائيليون بعد حرب 1967م. رفعت أصبعي في ذاك النهار الخريفي، وظل مرفوعًا بوجع عقودًا لاحقة. كان المعلّم المتواضع يحكي لتلاميذه طويلًا حكايات عن شجاعة «عنترة العبسي»، وحكايات أطول عن بطولات خالد بن الوليد.

تعلَّمت في الصف الأول تهجئة الحروف، وتعلمت معها أنني إنسان مختلف يتعرّف بنقصه، يرفع داخل الصف أصبعه، ويقف وقت الاستراحة، مع تلاميذ فلسطينيين ثلاثة، يأخذون عن غيرهم مسافة، تعلن عن غربتهم، كما لو كنا نحن التلاميذ الأربعة مع التلاميذ الآخرين ولسنا منهم. تذكّرت، بعد زمن، ما قالته حنا أرنت، الفيلسوفة اليهودية العادلة، عن الناقد فالتر بنيامين الذي هرب من النازية وانتحر قرب الحدود الإسبانية: «لم يحسن السباحة مع التيار، ولم يحسن السباحة ضده». لاذ بخوفه وكبريائه وتشاؤمه، وألقى بنفسه في وادٍ قاتل. وتعلَّمت مبكرًا الفرق بين «مع» و«من»؛ إذ في الأُولى رقم لا يشير إلى كيف، وفي الثانية لقاء لا مسافة فيه، وأن على الإنسان أن يصنع علاقته مع ذاته، قبل أن يلتحق بآخرين. آثر بنيامين، المثقف الغريب الذي جمع بين الفلسفة والنقد الأدبي، الانتحار، واختار الفلسطينيون البقاء وإرادة الأمل وتشكيل ذاكرة، تعرف الفرق بين «مع» و«من» وتدرك أن مأساتهم لم تسقط من السماء، وأن «الجاعونة» ليست حكاية، كان لها بيوتها وبساتينها وأهلها، وذلك «السمك الغريب» الذي نزرعه في الأرض وندّخره لموسم الشتاء، وأن الإقامة المؤقتة جزء من ذاكرة تجدّدها الغربة ويجددها الفلسطينيون الذين يعرفون، أحيانًا، الفرق بين الوقائع والأوهام.

درب الرجوع إلى الوطن

كان المعلم المطربش الذي أيقظ في داخلي سؤال الهوية، يتوجه إلى الفلسطينيين الأربعة وقت الاستراحة، ويقول: «عليكم يا أولادي أن تتعلموا درب الرجوع إلى الوطن». لم نكن نفهم من كلامه الكثير، وإن كنا نشعر أنه يحذّرنا من الكسل والرسوب. «لم نخيّب ظنه» مثلما قال جبرا إبراهيم جبرا في «البئر الأولى»، وهو يتحدث عن تلميذ نجيب وأستاذ عادل. غير أن الانتظار «المؤقت» خيّب أملنا حتى غدا الانتظار الخائب جزءًا من حياتنا. المعلّم الخمسيني، صدمته في بداية السنة الثالثة من إقامتنا سيارة عسكرية مسرعة، أمام دكان «عيسى»، ولم نَرَه بعد ذلك. اختصرته ذاكرة السنين إلى عجوز، يعلِّمني حروف الهجاء مبتدئًا بفلسطين، ويسرد حكايات عن «عنترة العبسي» وهو يرسم حروف الهجاء.

كان في الإقامة غرف مؤقتة كثيرة، نغادرها بسبب رطوبتها، أو تغادرنا لأن صاحبها التركي يريد أن يزوّج ابنه، وقد نتركها لقربها من «غابة»، معمورة بالسنديان وشجر البطُم وبحيوانات متوحشة، وبأفاعٍ كثيرة تلمع في الصيف كأنها قطع معدنية. كانت كل غرفة تحتفظ بذكرى سابقتها وتضيف إليها جديدًا، وكانت الغرفة سجلًّا كابيًا، نقرأ فيها غربتنا، واختلاف حكاياتنا عن حكايات الشركس والتركمان. هجس الراحل محمود درويش، ذات مرة، بوضع كتاب نثري عن البيوت التي عاش فيها، وتخلى عن فكرته بعد أن أنجز جمال الغيطاني رواية: «نوافذ النوافذ»، سجَّل فيها حكايات غرف اختلف إليها. وإذا كان الغيطاني الذي صاحب محفوظًا إلى تخوم التقمص، تحدّث عن غرف اختارها، فإن الغرف التي اختلفت إليها، مع عائلتي، كانت بعيدة من الاختيار.

يقال: يتعرّف الإنسان على ذاته حين يعرف من أين أتى. والقول صحيح وغامض: فقد أتيت من الجليل، في شمال فلسطين، مارًّا بجنوب لبنان، ومنه إلى حوران في سوريا، وصولًا إلى غرف مؤقتة في قرية يتقاسمها التركمان والشركس، تناثرت على جوانب الطرق المؤدية إليها: خيم ودخان وبشر طيبون، تدهسهم سيارات مسرعة، وذكريات صادمة، وكتب دائمة الخضرة، وحصان مختلج العينين يحتضر تحت المطر.

Share This