ندى حطيط – كاتبة لبنانية تقيم في لندن

رغم أن من يعرفون الشخصية الحقيقية لـ(بانكسي) فنان غرافيتي الشوارع البريطاني الأهم يُعدون بالفعل على الأصابع، فإن أعماله تحولت إلى ما يشبه أيقونات تعبير بصري لاذع يتداولها الملايين في المعمورة، واقتحمت رسوماته عالم الفن المؤسسي الرسمي كعاصفة هوجاء، فأصبحت تُباع بأرقام فلكيّة في أشهر دور المزادات العالميّة، وسُجلت بالفعل حالات سرقة لحوائط قام بها معجبون أو لصوص فن معاصر بعد أن أعاد بانكسي تشكيل هويتها بالرسم عليها، وإعطائها ملامح وألوانًا لتصير خطابًا متمردًا يُقرأُ من على صفحة جدار.

من أعمال بانكسي

«الفن في عالمي هو ألَّا يُقبَض عليك» يقول بانكسي في مقابلة نادرة. ففن الغرافيتي رغم كثرة المعجبين، له أعداء كثر ويحرّمه القانون ويمكن أن ينتهي بصاحبه إلى السجن بتهمة تخريب الممتلكات العامّة. ولذا فكل عمل جديد لبانكسي أشبه ما يكون بمغامرة مثيرة، كأنها أمرٌ دُبِّر بليْل، لتستيقظ المدينة التي مرّ بها هذا الساحر الغامض وقد استعيد أحد حوائطها للملكيّة الشعبيّة من خلال تخطيطاته التي تقول أعقد الأفكار برموز بصريّة بليغة، ولتتحول مزارًا وتنتشر في العالم كله خلال ساعات. لا تعيش هذه الكميونات البانكسيّة طويلًا؛ إذ في الأغلب تُرسل السلطات سريعًا من يزيلها وهو أمر يدمي القلب فعلًا، إذ إن كثرة من أعماله تحولت إلى مجرد ذكريات قديمة في ذهن من شاهدها، أو التقطت لها بالكاد صور فوتوغرافيّة قبل إزالتها.

في لندن مثلًا، أُزيل أربعون من أصل ثلاث وخمسين لوحة جداريّة تأكد نسبها لبانكسي. لكنّ تصويتًا عامًّا أجراه مجلس المدينة في بريستول مسقط رأس بانكسي بشأن إزالة إحدى جدارياته التي رسمها بالقرب من مبنى المجلس انتهى إلى تأييد حاسم من الجمهور لمصلحة بقاء الجداريّة. لقد تحول بانكسي إلى ضمير الناس العاديين في مواجهة تغوّل السلطات وانفلات الرأسماليّة.

بانكسي ابن بريطانيا الربع الأخير من القرن العشرين. كانت تلك الحقبة باهتة لمجتمع مات قديمه الإمبراطوري المنتفخ ولمَّا يولَد جديده بعد. فانطلقت الصراعات الاجتماعيّة والإضرابات، وعاشت أحياء الطبقة العاملة مدة طويلة من الانحدار المديني والفقر. تلك الحقبة ذاتها شهدت انفجارًا غير مسبوق لظاهرة فن غرافيتي الجدران كوسيلة تعبير عن تمرد الجيل الجديد وأشواقه. بانكسي نفّذ أول أعماله في تلك الأجواء بأحد أحياء بريستول الفقيرة بعدما طُرد من المدرسة لارتكابه بعض المشكلات وهو حينها في الرابعة عشرة من العمر. ويبدو أن ذلك الولد الغاضب وجد في الغرافيتي نوعًا من خلاص وجوديّ، ما لبث أن تورط به ورطةً أبديّةً أوصلته إلى مكانةِ مَن يمكنه أن يدلو بدلوه في تشكيل فنون التعبير البصريّة المعاصرة، ودفعت بخبراء الدراسات الثقافيّة إلى إعادة النظر في ديناميكيّات الفنون الشعبيّة بمجملها.

من أعمال بانكسي

يقول بانكسي: إنه بدأ مثل كل فناني غرافيتي الشوارع، يحمل علبة رش ألوان ويحاول ضمن مجموعات من الشبان أن يغافل العيون ليترك رسمًا على جدار مبنى أو عربة قطار. في إحدى تلك التجارب الأولية حضرت سيارة الشرطة بسرعة إلى محطة القطارات العامة؛ لذا ركض الفنانون الصغار هربًا، لكن بانكسي تأخر عنهم، فاضطر إلى رمي نفسه تحت إحدى الشاحنات المتوقفة جانبًا التي لسوء حظه كانت تقطِّر زيتًا، فملأت وجهه وثيابه. مع ذلك فإن تلك اللحظات الطويلة من الترقب كانت حاسمة في المسار الفني التقني لبانكسي؛ إذ تيقّن حينها أنه بحاجة لاختراع طريقة تسرّع تنفيذ العمل الجداري بمقدار النصف على الأقل، إن هو رغب في تجنب اعتقاله من السلطات. كانت الشاحنة التي استلقى تحتها قد رشت بعض قطعها بألوان مستحدثة؛ لذا فقد قرر من وقتها أن يوظّف تقنية الرش بالإستنسل لتنفيذ رسوماته الجدارية بدلًا من الرش مباشرة على الجدار، ولتتحول تلك الطريقة تحديدًا – بحكم الأيام – إلى بصمة فنيّة طبعت أغلب أعماله.

في تلك البدايات، انتحل بانكسي بداية اسم روبن بانكس (الذي يمكن أن يقرأ على أنه سارق بنوك)، لكنه لاحقًا تخلى عن روبن، واكتفى بتوقيع جدارياته الجريئة ببانكسي، الأسهل للتذكّر. وبالفعل أصبح ذاك التوقيع كافيًا لتحويل أي عمل له إلى قيمة ماليّة عالية تجاوز بعضها نصف مليون جنيه إسترليني، واختارته مجلة التايم الأميركيّة بوصفه إحدى الشخصيات المئة الأكثر تأثيرًا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى جانب أمثال باراك أوباما وستيف جوبس والليدي غاغا. لكنّه كعهده دائمًا استمر في إخفاء شخصيته الحقيقيّة بعناية، وأرسل إلى التايم صورة له وقد لبس على رأسه كيسًا من ورق يمكن إعادة تدويره.

جداريات في مدن العالم

من أعمال بانكسي

بعد البدايات في بريستول، يبدو أن بانكسي انتقل للعيش في الجنوب الشرقي من إنجلترا، وبدأت أعماله تتوالى تباعًا في شوارع لندن منذ عام 1999م وأحيانًا في برايتون. لكنه بأدوات تعبيره العبقريّة ترك جداريّات له في مدن عدة: سان فرانسيسكو، وديترويت، وفيينا، وباريس، وبرشلونة، وبيت لحم. بالطبع فإن نجاحًا مثل هذا يشجع محاولات التقليد أو التزوير، لذا أَطلقَ منظمة خاصة به أسماها هيئة مكافحة الحشرات تتولى تأكيد أعماله وتوثيقها، وتعمل على حمايته من المتطفلين والفضوليين وأعداء فن الغرافيتي. بانكسي لذلك ربما يكون أكثر فناني العالم اليوم تحكمًا بسرديته عن ذاته. في عام 2001م نظم بانكسي ورفاقه من فناني غرافيتي الشوارع ما أسموه بمعرض فني لهم. لم يكن ذلك معرضًا تقليديًّا، بل استعراضًا لجداريات داخل نفق مهجور بالقرب من إحدى حانات لندن الفقيرة. ومع أن (المعرض) كان شديد الارتجال ولم يعلن عنه بشكل تجاري، فقد حظي بإقبال مميّز وزاره مئات الأشخاص. لكن الأهم أن بانكسي اكتشف فائدة المعرض كفضاء أكثر حريّة لقول ما يريد، أقلّه مقارنة بجداريّات الشوارع التي إن تجاوزت حدود الكلام المباح أزالتها السلطات قبل انقضاء اليوم، لذا فنظَّم بعدها معرضه الأشهر إلى اليوم في هاكني بلندن عام 2003م بعنوان: «حروب الحدود»، الذي أصاب المشهد الثقافي والفني للعاصمة بالإبهار سواء من حيث قوة الرموز في الأعمال المطروحة أو من حيث حرفية الإنتاج التقني للعمل، وهو ما أثار جدالات واسعة.

من أعمال بانكسي

استمر بانكسي بعدها في رفع مستوى التحدي لكل سلطة بما فيها مؤسسة الفن الرسمي. وهو لذلك لم يكتفِ بغزوات الشوارع الليليّة، بل شنّ متخفِّيًا جولات له على متاحف عالميّة في عواصم مختلفة – منها اللُّوفر باريس، وتيت لندن، وميتروبوليتان نيويورك – مضيفًا على حوائطها لوحات من أعماله المستفزّة التي تسخر من اللوحات الفنيّة المشهورة باستخدام نسخ منها أفسدها بملصقات يوميّة تافهة. لكن شهرة بانكسي العالميّة بدأت فعليًّا منذ عام 2005م عندما سافر إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ورسم أعمالًا عدة على الجدار الإسرائيلي العازل تتحدى الاحتلال بأحلام الصغار وبالوناتهم، بل رسم صبيانًا فلسطينيين وقد نقبوا الجدار، فبدا خلفه مشهد من جنّة مفقودة. وانتقل إلى الضفة الغربيّة أخيرًا لينظم حفل شاي بريطانيًّا ساخرًا للأطفال الفلسطينيين نقل فيه رسالة منحولة من اعتذار ملكة بريطانيا لهم عن وعد بلفور عشيّة مئوية ذلك الوعد المشؤوم. بِيعت أعمال لبانكسي في مزاد علني عام 2008م بمئات الألوف لكل منها، اقتنتها شخصيات معروفة في مجالات المال والأعمال والفنون والتمثيل بمن فيهم حفيد جيه بول غيتي الذي دفع 650 ألف دولار لإحدى اللوحات. وأنجز بانكسي فلمًا وثائقيًّا عن فن الغرافيتي رُشِّح لإحدى جوائز الأوسكار في فئته. وقد أطلق بعضهم وصف (تأثير بانكسي) على قدرته المدهشة على منح الفن المديني الشعبي مزيدًا من الشرعيّة كمنتج ثقافي، وإكسابه الصلاحيّة لتوليد القيمة الماليّة في أجواء المتاجرة بالفنون. هذا التأثير تحديدًا يثير على مستوى آخر انتقادات حادة تستهدف بانكسي من اليمين ومن اليسار على حد سواء. فهو عند نقادٍ مهرج يتربح من الرأسماليّة التي يهجو، وممثل فوضوي يعيش رفاهيّة باذخة من خلال تسويق بضاعة التمرد على المنظومة التي تحتفي به، ومدَّعٍ يخفي شخصيته بتكلفة عالية لا خوفًا من رجال البلديّة بل لخلق مزيد من الهالة التسويقيّة لأعماله. وقد وصفه أحدهم بـ«اشتراكي حفلات الشمبانيا الأممي»، ولا سيّما أنه يتنقل عند تنفيذ أعماله الغاضبة بسيارة فارهة يقودها سائق خاص!

لا شك أن في هذه الانتقادات شيئًا من الواقعيّة. حتى بانكسي نفسه لا ينكرها، فهو كتب على موقعه على الإنترنت بعدما بِيعت واحدة من لوحاته بأكثر من نصف مليون جنيه إسترليني: «لا أصدّق أن أحدًا ما يمكن أن يشتري هذا الهراء»، وقد نقل عنه قوله مثلًا: «أنا بالفعل معجب بقدرة الرأسماليّة على استيعاب الجميع من أجل الأرباح حتى أعدائها»، وهو يقرّ بأنه يكسب الملايين الآن من بيع أعماله وكتبه عنها (أصدر أربعة منها إلى الآن – بعناوين لافتة كعهده دومًا – بيع منها ما يزيد على المليون نسخة)، لكنّه في الوقت ذاته يمنح معظم أعماله من دون مقابل، ويرفض تنفيذ أعمال تسويقيّة للعلامات التجاريّة الكبرى رغم العروض المجنونة والإغراءات التي يستمر في تلقيها، ويوفر نسخًا عالية الجودة من معظم أعماله الجديدة على موقعه الإلكتروني لتحميلها من دون مقابل، ويُنفق كثيرًا من مكاسبه لدعم منظمات المجتمع المدني في الأحياء المهمشة من مدن بريطانيا. وإن عالميّتة المفرطة لا شك تمنحه شعور الانتشاء بالشهرة من دون موبقاتها – حتى إن والديه ما زالا يعتقدان أنه يعمل دهانًا للبيوت والمكاتب – لكنّه يخاطر دومًا بإمكان تبخّر جزء كبير من هالته إذا كشف عن شخصيته لسبب أو لآخر. ويبدو أن هناك كثيرين يسعون لتحقيق هذا السبق الصحافي، وقد دفع أحدهم مئات من الدولارات لشراء علبة بيتزا فارغة قيل: إن بانكسي التهم محتوياتها بينما كان يعمل على إحدى لوحاته في لوس أنجلس بالولايات المتحدة، وقد اشتراها فيما يبدو من مزاد على الإنترنت ليرسلها إلى مختبر علَّه يكشف له عن البصمة الوراثيّة لبانكسي بطريقة أو بأخرى. لكن بغض النظر عن الرجل الذي هو وراء الشخصيّة، فإن المنظومة الرأسماليّة لا شك أنها تتساهل مع متمردين من طراز بانكسي، حيث تمردهم لا عُنفي، يعتمد أدوات بصريّة تثير العقول لكن لا تدفع للفعل وتحقق في النهاية أرباحًا طائلة.

المفهوم الغرامشي لتطبيقات الهيمنة

من أعمال بانكسي

تمثِّل أعمال بانكسي في مجملها تطورًا مثيرًا للجدل يُقوي المفهوم الغرامشي لتطبيقات (الهيمنة) في إطار الثقافة الجماهيريّة الشعبيّة تحديدًا. فأنطونيو غرامشي يرى في الهيمنة نتاجًا لتفاوض يحدث بين طرفي الصراع الطبقي: المجموعات المسيطرة في المجتمع، وتلك التابعة كميزان قوى متحرك بين الطرفين، وليس نوعًا من السيطرة التامة. ولا شك أن أعمال بانكسي تحديدًا تبدو أفضل مثالٍ على ذلك النوع من (التفاوض) في منتجات الفن المعاصر من دون أن يُسمح لها بالطبع أن تتحدى الأسس الاقتصاديّة للسلطة، وهي تعيد تعريف التمرد، وتسهّل مهمة إعادة تعليبه في سياقات من استهلاك عابر، وأفعال من القراءات المنفصمة في الأغلب لم تكن مقصودة، وربما غير متوقعة من مبدعها، تمامًا كما في مثال رولان بارت الشهير عن تجارة الرأسماليّة بشخصيّة تشي غيفارا، التي حولته إلى أيقونة تجاريّة لبيع منتجات جانبيّة تستهوي المراهقين المتمردين مع نزع كينونة الثائر الأممي تمامًا من سياقها الأصلي. لا ينخرط بانكسي مطلقًا في أية نقاشات مثل هذه، لكنّه يعلّق عليها من خلال أعمال تتزايد بقدرتها البلاغيّة الهائلة على التعبير عن أفكار شديدة التعقيد والعمق من خلال مساحات لونيّة بسيطة وكلمات أكثر بساطة توصل الرسائل للجميع من دون عناء بينما هم منخرطون في صراعاتهم اليوميّة من أجل لقمة العيش. عند بانكسي، إن فن غرافيتي الشوارع – المتمرد والثائر والخارج عن القانون – هو أرقى الفنون جميعًا، وتأتي كلّها دونه في قيمتها الأدبيّة وأقل مكانة عند الناس، وإنه أفضل رفيق لثورة الإنترنت التي كسرت احتكار البرجوازية للفنون، ودفعت به إلى الطبقات الشعبيّة في شوارع مدنها الفقيرة، رغم أنّه مثل الإنترنت تمامًا: متخم بالسفاهات، لكنه مع ذلك يضم جواهر في غاية النُّدرة.

ليس منتقدو بانكسي مجرد مثقفين يكتبون نصوصًا لهم على الفضاء الافتراضي أو أعمدة الصحف فحسب، بل إن هنالك منافسين أشداء، ومنتحلي صفات، ورجال شرطة لديهم أصفاد ترافقها أوامر باعتقال كل من يُقبض عليه مُتلبسًا بتنفيذ أعمال غرافيتي شوارع بغض النظر عن شهرتهم. لكن أشد أعداء بانكسي على الإطلاق هم موظفو بلديّات المدن الذين ينفقون سنويًّا ملايين الجنيهات على عمليات إزالة اللوحات الجداريّة من الشوارع وعن الجسور العامة والقاطرات. هؤلاء يعدُّون فن جداريّات الشوارع وباءً ينبغي استئصاله وبانكسي تحديدًا كمُلْهِمٍ لفوضويي المدينة ومراهقيها في تعديهم على الفضاء العام. يواجههم بانكسي بحلمه الدائم الاشتعال: مدينة لناسها، وفن غرافيتي الشوارع فيها مباح، وتحمل جدرانها مليون لوحة ولوحة في غابة من الألوان والتعليقات اللمّاحة التي تتغيّر مع حلول الليل لتُقرأ متجددة مع إشراقة كل يوم. ربما يبدو حلمه يوتوبيًّا اليوم، لكن إن حدث وتحقق، فإن سكان تلك المدينة لا شك سيصوِّتون بالإجماع تقريبًا لإعادة تسمية مدينتهم بـ«بانكسي سيتي».

Share This