أحمد عبداللطيف – كاتب ومترجم مصري

في قصة «غرافيتي»، يقول الكاتب الأرجنتيني الشهير خوليو كورتاثر: «وكانت لعبتك الخاصة قد بدأت من الضجر وليس من الاعتراض على حال الأشياء في المدينة؛ من حظر التجوال إلى تحريم بنبرة مهدّدة للصق الملصقات أو الكتابة على الجدران. كان يسلّيك بكل بساطة عمل رسومات بطباشير ملوّنة (لم يرُق لك مصطلح غرافيتي الخاص بالنقد الفني) ومن حين لحين كنت تأتي لمشاهدتها، وبقليل من الحظ كنت تشاهد وصول عربة المجلس المحلي، وتسمع شتائم بلا جدوى يرددها العمال بينما يمسحون الرسومات. لم يكن يشغلهم أنها رسومات غير سياسية، فالتحريم كان يشمل كل شيء، ولو أن طفلا تجرأ ورسم بيتًا أو كلبًا، لتعرض للمحو نفسه بين شتائم وتهديدات. وفي المدينة لم يكن أحد يعرف بيقين من أي جانب حقيقةً يأتي الخوف؛ ربما لذلك كان يسلّيك أن تسيطر على جانبك، وفي كل وقت تختار المكان والساعة المناسبين لترسم رسمة».

يرصد كورتاثر في هذه القصة، وعبر رسامَين لا يلتقيان قط إلا من خلال رسوماتهما، مشاهد سريعة من حياة فناني الشارع، هؤلاء الذين يكرّسون حيواتهم، من دون مقابل يُذكر، لرسومات على الجدران. إنها إحدى وسائل الاعتراض على السلطة، ليس بداخل الأرجنتين وحدها، إنما بأميركا اللاتينية كاملة. لقد استطاعت الرسومات أن تعبّر، بفنية وجمالية، عن نبض الشارع، لكن محوها أيضًا عبّر بالطريقة نفسها عن قسوة السلطة. سلطة كرّست أوقاتها لمحو رسومات وعبارات تنتقدها بدلًا من البحث عن عيوبها لإصلاحها. وكورتاثر، ابن القارة اللاتينية، التفت بمهارة إلى رسومات الجدران التي بدأت في الأرجنتين منذ عشرينيات القرن الماضي، حتى غدت «بوينس آيرس» مدينة تتحدث جدرانها. ليس غريبًا أن تكون القارة اللاتينية من رواد هذا الفن؛ إذ تجربتهم الطويلة مع الدكتاتورية العسكرية سمحت لهم بالبحث عن وسائل مختلفة للتعبير. بذلك، وعلى مرور السنين، باتت محطات الكهرباء وجدران مواقف الحافلات، والبنايات المهجورة، والبيوت الخاصة، والمدينة بأكملها، مكسوةً بالفن. بعض هذه الأعمال محض أعمال تهكمية، وبعضها الآخر يحمل رسالة نقد اجتماعي أو سياسي. لكن ثمة أعمالًا أخرى، مثل رسومات لحيوانات ضخمة، تحيط بجدران النواصي، لا هدف من ورائها سوى الهدف الجمالي في ذاته. يشبهها في ذلك غرافيتي لأحد الأبطال الشعبيين، كما يمكن أن نشاهد على جدار بكولومبيا حيث ماركيز (وقد بات هو كولومبيا، بمقولة الروائية إلبيرا نابارو) مرسومًا على جدار وبجواره عبارة «أنا الابن الثالث عشر لساعي بريد».

أكثر صرامة وانتشارًا

صورة لـ «بلو» تمثل حقبة سوداء في تاريخ كولومبيا

لم يفتر الاهتمام بفن الشارع في الأرجنتين رغم قدمه، ربما خمد قليلًا في أثناء حكم بيرون، لكنه عاد بقوة بعد انقلاب عسكري ضده عام 1955م، وهو ما أدى لانفجار رسومات في كل شوارع المدينة. ثم ازداد توهجه بمظاهر أكثر تجديدًا في وقت الأزمة الاقتصادية عام 2001 و2002م؛ إذ غدا أكثر صرامة وانتشارًا، وأكثر بريقًا كذلك. السبب يرجع بالطبع لإرساء الديمقراطية التي سمحت بحرية التعبير ومنحت الفنانين شعورًا بالأمان إن هم اعترضوا بفنهم على التوجهات الحكومية. أدى فتح المجال العام لازدهار الفن، وازدهار فن رسم مدينة لا يغيب عن جدرانها الألوان. هذا ما التفتت إليه «بوم بوم» واحدة من أشهر فنانات الشارع بـ(بوينس آيرس)؛ إذ تقول: «حين تمنحك المدينة حرية الرسم في أي مكان، تنهمر كمية أكبر من التجريب، وتسيل الرسومات على الجدران، ويظهر فنانون جدد». بذلك تختلف بوينس آيرس عن مدن أخرى يضطر فنانوها إلى الرسم ليلًا وفي الخفاء. لقد ساهمت الحرية في تطوير الفنان لأدواته وأسلوبه، فاستطاع مزج الألوان وتغيير الخلفيات وتنويع الموضوعات، كل ذلك جعل من المدينة متحفًا مفتوحًا، أيًّا كان محتوى الرسومات النقدي. اللافت في الحالة الأرجنتينية أن الأحوال اختلفت الآن عن زمن كتابة كورتاثر لقصة «غرافيتي»، فبات من المألوف أن يأتي فنان شارع في وضح النهار ويضع سلمه وعلبة الدهان وفُرش الرسم ليدهن حائطًا ويبدأ في رسوماته. الأهم أن فنانين من كندا وفرنسا وإيطاليا بدؤوا يتوجهون للعاصمة الأرجنتينية للعمل في شوارعها، فيما لا تزال بعض المدن ترى أن رسومات الجدران اعتداء على المدينة والمجتمع، كما يحدث في الولايات المتحدة وألمانيا؛ إذ تمر دوريات شرطية «ضد الغرافيتي» لتفرض غرامات على من يرسم على الجدران. لم تمر الأرجنتين بهذه المرحلة، بل مرت بمرحلة أسوأ، ففي حقبة سوداء في تاريخ هذا البلد فقد كثير من المواطنين مدخراتهم وتغير خمسة رؤساء في أسبوعين. حينها، كانت الشوارع تزداد حزنًا وظلامًا، وكان الهم السياسي يشغل الجميع، لكن الفنانين كانوا مطاردين. وكردٍّ على هذا الاضطراب السياسي؛ بدأ الفنانون المحبطون في رسم شخصيات طفولية، مجرد رسومات متحركة بريئة على الجدران بهدف رسم ألوان في الفضاء العام. لقد فكّروا حينذاك في إرسال ابتسامة للمواطن المطحون في خضم السياسة والأزمة، وكانت ابتسامة المواطن أهم لديهم من النقد السياسي. من رسامي الجدران الأرجنتينيين المعروفين ستنثيل لاند، ومن أشهر رسوماته طفل يرتدي قناعًا للغاز وبيده قرطاس آيس كريم، في تركيبة مدهشة تمثل البراءة في وسط الخطر. كذلك رسمة أخرى يمسك فيها طفل بريشة ويكتب كتابات سياسية. وفي عام 2001م، ظهرت جماعة «بوميتو أتاك»، المهتمة بإرسال رسائل سياسية في منتجها الفني، منها رسائل «ضد الاستهلاكية» و«ضد الولايات المتحدة» و«ضد الحكومة»، وبداية انطلاقها كانت الأزمة الأرجنتينية الاقتصادية وبعد اعتداءات 11 سبتمبر.

أطفال الإسبراي

وإذا كان الغرافيتي الأرجنتيني قد تميز لقدمه وسنوات طويلة من التجريب الفني، ففن الشارع التشيلي قد بلغ في السنوات الأخيرة مستوى مميزًا داخل القارة اللاتينية. في ثمانينيات القرن الماضي، ظهرت مجموعة من الشباب التشيليين المرتبطة بحركة الهيب هوب وبجماعة رسامي الجدران، وتكونت كردٍّ على النظام العسكري، وبدأت سريعًا في رسم شوارع العاصمة. التأثير الأساسي جاء من أجانب أو منفيين أقاموا في سانتياغو دي تشيلي، وساعدوا في نشر أفكارهم الفنية بين رسامين تشيليين، والمنتج الفني كان بالطباشير والكربون والفرشاة، وذلك لارتفاع أسعار علب الإسبراي. في منتصف التسعينيات كان انطلاقة كبيرة في الغرافيتي كفنٍّ وأداة للتعبير، حينها ظهرت جماعات مثل: كول ستايل، وتشابولين، وروبوكوب، وبامبيرو. مع الوقت اتسعت بقعة فن الشارع، وولدت جماعات أخرى مثل: ني ثي إس، وهي اختصار لـ«أطفال بالإسبراي» التي باتت اليوم أهم جماعة تشيلية في الرسم على الجدران. ومؤخرًا اشتهرت أسماء لرسامين مثل: زيكيس، بسيدي، سيبوتس وسيمبسون، وملؤوا جدران قطاعات بدرو دي بلديبيا وضواحيها.

صورة لخايمي غارثون أحد شهداء مواجهة الفساد

في كولومبيا، كانت الرسومات على الجدران إحدى طرق المقاومة، لكنها أيضًا للنقد الاجتماعي من عدم مساواة وأطفال متسولين ومرضى يموتون في المستشفيات. بمعنى آخر، كان فن الشارع الكولومبي صرخة صامتة في مواجهة كل فساد سياسي واجتماعي، وتحقق ذلك عبر كل الجدران: كباري، أنفاق، جدران شوارع واسعة وبخاصة في المدن الرئيسية. ووفق العديد من الدراسات المهتمة بهذا الفن، تعتبر كولومبيا واحدة من أهم دول القارة في فن الشارع، سواء في جودة الأعمال أو في عدم مركزيتها؛ إذ تتوزع على كل المدن والقرى لتجعل من جدران البلد لوحات ناطقة مكسوة بالألوان والرسائل. ولعل اللافت هو تجاوز فن كولومبيا للنقد والتوجه أكثر للشخصيات المؤثرة فنيًّا والمواقف التاريخية المحفورة في ذاكرة الشعب، حتى تمثيلات الطبيعة. فن الشارع تحول، مع الوقت، لفن الحفاظ على الذاكرة الجمعية. من هنا كان طبيعيًّا أن تكرّس عشرة شوارع كولومبية جدرانها من أجل رسم «ماكوندو» في ذكرى الاحتفال السنوي برحيل غابرييل غارثيا ماركيز، وبتدقيق النظر لا يعد ذلك احتفالًا فقط بماركيز، صورة كولومبيا الكبيرة، بل إنه في العمق احتفال بفن الشارع، بخطوة نحو البحث عن جمالية كبرى وترسيخ مبدأ تقدير الفن للفن، ولفتة ذكية لفكرة «الذاكرة».

الكاتب الإسباني الشهير أرتورو بيريث ريبيرتي، صاحب رواية «القناص» التي تتناول حياة رسامي جدران، له رأي مختلف في موافقة السلطة ودعمها لفن الغرافيتي؛ إذ يرى أن «الغرافيتي فن غير قانوني، ويجب أن يظل كذلك»، ما يقصد به أن ميزة الرسم على الجدران أن يعبّر عن نفسه بعيدًا من وصاية السلطة وتدجينها، وأن حرية الرسام تكمن في هذه المطاردات. وتعليقًا على معارض الغرافيتي التي تقيمها بعض الدول داخل قاعات مكيفة، يقول ريبيرتي: «يتوقف الرسم على الجدران عن كونه رسم جدران حين ينتقل إلى القاعات، حينها يصير فنًّا مؤسسيًّا، فنًّا مدجنًا. لكن رسامي الجدران أذكياء جدًّا، حين يستجيبون لهذه المعارض من أجل كسب رزقهم، يخرجون أيضًا بالليل ليرسموا على جدران الشوارع».

في قصة خوليو كورتاثر تلك، تبدأ العلاقة بين الرسامَين (رجل وامرأة) من خلال رسمة على الجدران. تتطور القصة فلا يلتقي أحدهما الآخر، لكن كلًّا منهما يضيف رسمة جديدة لتُغطي جدار الشارع بأفكارهما ومشاعرهما. والمرة الوحيدة التي يلتقيان فيها يكون لقاء الوداع؛ إذ يأتي الرسام بالمصادفة، في لحظة القبض على الرسامة وسحبها بأيدي شرطية قاسية. ومن خلال لعبة معقدة في تبادل الصوتين السرديين، يعكس كورتاثر تعقيد العلاقة بين فنان الشارع والجدران، بين الرسام والرسامة، بين الفنان والسلطة. إنها لعبة القط والفـأر التي عادة ما تنتهي بانتصار الفأر، بانتصار الجمال على القبح، والألوان الزاهية على اللون الأسود؛ إذ رحلت الرسامة مع الشرطيين وبقيت رسوماتها على الجدران، يتأملها حبيب سيواصل الرسم بمفرده. نبوءة كورتاثر تحققت بعد ذلك بسنوات؛ إذ غدا الغرافيتي فنُّ اليوم، كتابًا مفتوحًا في وسط الشارع، ونصوصًا مقروءةً لا تضم رسوماتٍ فحسب، بل أيضًا قصائد شعراء مشهورين، وكلمات ليست شعرًا لكنها تبدو كذلك، لا تُنسَب إلى أحد لأنها تُنسَب إلى الجميع. القصة في النهاية طرحت سؤالًا كان معلَّقًا فيما يخص فن الشارع: أهو فن شعبي يعبّر عن الحياة اليومية أم هو فن مقاومة؟ وكورتاثر اختار أن يكون الغرافيتي فنًّا يعبّر عن المعنيين؛ إذ في العمق كلاهما واحد؛ كل منهما يُولَد من الآخر ويَلِده.

Share This